وما الأئمة والحكام إلا جهات تنفيذية، ملزمة شرعًا بإنفاذ أحكام الله في عباده، وسياستهم بشريعته التي لا يستقيم حال البشر في الدارين إلا بها، إذ إنَّ من مسلمات الدين عموم الرسالة المحمدية وشمولها لجميع متطلبات الحياة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) . سياسة الدُّنيا بالدِّين. بأن تدار جميع شؤون الحياة وفقًا لقواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها المنصوصة أو المستنبطة باجتهاد سليم، محققًا لقاعدة الحكم الأساسية: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ) ، وذلك بتنفيذ الأحكام، وإقامة الشرائع والحدود وسنّ النظم المشروعة وقد جاء النَّص على هذه المقاصد في آيات وأحاديث كثيرة، ومن أجمع ما جاء في ذلك قول الله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْض أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْ عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور ِ) . ونصوص الفقهاء في تأكيد هذه الحقيقة لا تخفى على من له اطلاع على كتب الفقه، ولا سيما كتب السياسة الشرعية، وقد تحدّثوا عنها في معرض ذكرهم لواجبات الإمام ومقاصد الولاية، وكان حديثهم مفعما بالعزّة الإسلامية. فمنها: قول أبي المعالي الجويني رحمه الله:"فالقول الكليّ: أنَّ الغرض استيفاء قواعد الإسلام طوعًا أو كرهًا، والمقصد الدين، ولكنه لما استمد استمراره من الدنيا، كانت هذه القضية مرعّية" (5) . ومنها: قول أبي العباس ابن تيمية رحمه الله:"فالمقصود الواجب بالولايات: إصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نَعِموا به في الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدِّين إلا به من أمر دنياهم" (6) .