فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 73

1)الجزاء في الشريعة دنيوي وأُخروي؛ بل إنَّ الأصل فيها الجزاء الأخروي، وإنَّما الدنيوي رادع لمن لم يؤمن بالدار الآخرة من المنافقين، أو من كانوا للكفر مظهرين، ولمن يضعف إيمانه أمام شهوة وقصد إلى معصية، وقد تكون جبرًا لتقصيره، وتكفيرًا لخطيئته، ليسلم من العذاب الأخروي (6) .

أمَّا الجزاء في القوانين الوضعية، فهو دنيوي دائمًا، تقرِّره وتوقعه السلطة البشرية التي وضعته؛ لتدبير نظامها في الدنيا، وهي سلطة لا تملك من أمر الآخرة شيئًا (7) .

2)الجزاء الأخروي الذي تختص به الشريعة قد يكون مثوبة، وقد يكون عقوبة؛ فهو مشتمل على المثوبة للمحسن، والعقوبة للمسيء (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره*ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) [الزلزلة] ؛ كما أنَّ العقوبة فيه قد تكون بعدم المثوبة (الحرمان من الفعل ومثوبته) ، وذلك عند عدم عمل المكلف للمستحب والمندوب، مع اعتقاده بحكمه؛ وقد تَدِقّ، كما لو أقدم على مكروه غير محرَّم. وذلك لأمرين:

الأول: أنَّ الأحكام الشرعية، منها الإيجابي بالأمر ومنها السلبي بالنهي. مثال الأول: أمرها بالمعروف عن طريق الثواب؛ ومثال الثاني: نهيها عن المنكر، من طريق الوعيد للمخالف بالعقاب (8) .

وأمَّا القوانين الوضعية فسلبية فقط؛ ولهذا تقتصر على العقوبة دون المثوبة؛ وقد انبنى على سلبيتها خلوها من المندوبات والمكروهات (9) ، بدلالاتها الشرعية.

الثاني: امتزاج أحكام الشريعة بالمعتقدات والأخلاق، امتزاجًا لا يبقى معه وجودان مستقلان؛ ولهذا فإنَّ الأحكام الشرعية والفقهية، تضع النية والقصد في اعتبارها (( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) ) (10) .

وهذا أمر لا وجود له في القوانين الوضعيَّة؛ فإنَّها تُعنى بالظاهر، وتقف عند السلوك الخارجي، ولا تتعدَّى ذلك إلى هواجس النفوس، والنوايا الخفية، مهما انطوت عليه من خبث أو شرّ (11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت