الصفحة 14 من 37

لي"، قال:"وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهلٍ ولا إلى مال ولا إلى أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هديةٌ أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدٌّ، فأتيتهم .. الحديث" [1] ."

وهنا تتجلى صورة من صور الإيثار وهو أن يقدم غيره على نفسه في النفع له والدفع عنه، وكذا المسلم يجب أن يكون بين إخوانه في مواطن الشدة والبلاء، فالإيثار على النفس ما وجد إلا ليشد من عضد المسلمين، يقول الله عز وجل (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ] الحشر:9 [.

وهذا فارس المسلمين زوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب يعمل عند يهودي في تمرات يسد بها ألم الجوع، فعند الترمذي قال:"خرجت في يوم شاتٍ من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت إهابًا معطوبًا، فحولت وسطه فأدخلته عنقي وشددت وسطي، فحزمته بخوص النخل وإني لشديد الجوع، ولو كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام لطعمت منه، فخرجت ألتمس شيئًا فمررت بيهودي في مال له وهو يسقي ببَكَرة له فاطلعت عليه من ثُلمة في الحائط، فقال: مالك يا أعرابي هل لك في كل دلو بتمرة؟ قلت: نعم فافتح الباب حتى أدخل، ففتح فدخلت فأعطاني دلوه فكلما نزعت دلوًا أعطاني تمرة حتى إذا امتلأت كفي أرسلت دلوه وقلت حسبي فأكلتها ثم جرعت من الماء فشربت".

(1) أخرجه البخاري وغيره وتكملة الحديث:

فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال النبي عليه السلام يا أبا هر. قلت لبيك يا رسول الله قال (خذ فأعطهم) قال فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلى فتبسم فقال النبي عليه السلام (أبا هر) قلت لبيك يا رسول الله قال (بقيت أنا وأنت) قلت صدقت يا رسول الله. قال (اقعد فاشرب) فقعدت فشربت فقال (اشرب) فشربت فما زال يقول (اشرب) حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال (فأرني) فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة. انتهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت