وإليك موقف جوع يشق الكبد ألمًا فعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلًا فقال:"ما تشتهي؟"، قال:"اشتهي خبز بر"، قال النبي صلى الله عليه سلم:"من كان عنده خبز بر فليبعث إلى أخيه"الحديث.
ولكن أن يكون الجوع يفترس الصِّبية فهذا والله شديد فعند أبي داوود عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه دخل على فاطمة، وحسن وحسين يبكيان فقال:"ما يبكيهما؟"، قالت:"الجوع"، وعند الترمذي عن رافع بن عمرو قال:"كنت أرمي نخل الأنصار فأخذوني فذهبوا بي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"يا رافع لمَ ترمي نخلهم؟"، قال قلت:"يا رسول الله الجوع"."
ولم يكن حال لباسهم وما يستر عوراتهم بأحسن من حال طعامهم، ففي الصحيح أن سائلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد فقال صلى الله عليه وسلم:"أولكلكم ثوبان؟"، ولقد كان هذا الثوب في أحيان كثيرة قصيرًا ضيقًا لا يكاد يستر عورة الصحابي في صلاته وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن سهل بن سعد قال:"كان رجال يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا".
قال ابن بطال رحمه الله:"قال الطحاوي: إن الذين كانوا يعقدون أزرهم على أعناقهم لم يكن لهم غيرها والله أعلم، إذ لو كان لهم غيرها للبسوها في الصلاة و ما احتيج أن ينهى النساء عن رفع رؤوسهن حتى يستوي الرجال جلوسًا وتختلف أحكامهم في الصلاة، وذلك مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام:"فلا تختلفوا عليه"ولقوله:"فإذا رفع فارفعوا"، ألا ترى أن عمرو بن سلمة حين كان يصلي بقومه وتنكشف عورته لم تكن له غير تلك الجبة القصيرة فلما اشتريت له جبة سابغة تستره في الصلاة قال:"فما فرحت بشيء فرحي بها"، إنما نهى النساء عن رفع رؤوسهن خشية أن يلمحن شيئًا من عورات الرجال عند الرفع من السجود". اهـ
فهل بعد هذا الفقر من فقر؟ فقد يصبر المرء على ألم الجوع ولكن أن لا يجد ما يستر عورته فهذا مؤلم وقاسٍ، وأن يرى النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام هذه الحالة ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا فلاشك أن الأمر شديد، ومما يدمع عين الموحد أن حالة الفقر هذه لم تستثنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم خير خلق الله وأكرمهم وأشرفهم، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"جئت رسول الله صلى الله"