عليه وسلم يومًا فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، قال أسامة: وأنا أشق على حذر فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟ فقالوا: من الجوع"."
وفي رواية: رأى أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في المسجد يتقلب ظهرًا لبطن فأتى أم سليم فقال:"إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في المسجد يتقلب ظهرًا لبطن وأظنه جائعًا"، قال أنس:"فدخل أبو طلحة على أمي فقال:"هل من شيء؟"، فقالت:"نعم عندي كِسَرٌ من خبز وتمرات فإذا جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قَلَّ عنهم". الحديث."
فتأمل أيها المشتكي من قلة الحال وضيق العيش كيف أن نبيك صلى الله عليه وسلم أصابه جَهد الجوع حتى عُرف ذلك من وجهه، بل و يتقلب ظهرًا لبطن من شدة الجوع وفي رهط من الصحابة، يسألهم أنس ما به فيجيبون الجوع، ولا أحد يملك له صلى الله عليه وسلم شيئًا، وحينما وُجِد كان كسيرات من خبز لا تصلح لضيف كريم كرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان صلى الله عليه وسلم يطوي الليالي دون أن يَطعم شيئًا صلوات ربي وسلامه عليه.
فعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويًا وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير، نعم وأهله يا من تتمردن على أزواجكن طلبًا للسعة وخاصة المجاهدين في سبيل الله، فهؤلاء نسوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنات الأكرمين يَجهدهم الجوع، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"والذي نفس أبي هريرة بيده ما أشبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهله ثلاثة أيامًا تباعًا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا"، بل أنه صلى الله عليه وسلم لم يُشبع أهله خبزَ الشعير وبنخالته كما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير".
ومما يدمي القلب ولا طاقة للنفس بتصوره أن تعرف أن نبيك صلى الله عليه وسلم أرهقه الجوع حتى أضطر إلى أن يجيب دعوة يهودي في طعام قبيح بل ويرهن درعه عنده كي يأخذ شعيرًا يصنعه طعامًا لأهله، ففي الصحيح عن أنس رضي الله عنه قال:"مشيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بخبز الشعير وإهالة [1] سَنخَة ولقد رُهن له درع عند يهودي بعشرين صاعًا من طعام أخذه لأهله، ولقد سمعته ذات يوم يقول:"ما أمسى في آل محمد صلى الله عليه وسلم صاع تمر ولا صاع حب"، وإن عنده يومئذ لتسع نسوة".
(1) الإهالة الشحم أو ما أذيب منه والسخنة المتغيرة الريح، فهذا هو حال الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يعاب حال بعض أمراء الجهاد في هذا العصر إن كانوا أصحاب فقر حاشا لله أن يكون ذلك.