الصفحة 24 من 37

فهل يقول مجاهد موحد بعد ذلك أنه لا يريد أن يُقتَل في طلب الغنيمة بعد أن علم أن نبيه وكبار الصحابة كانوا يريدون ذلك؟ وأن المنافقين هم الذين كانوا يحرصون على الغنائم التي لا قتال فيها؟ قال الله تعالى: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَاخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} ، قال السعدي رحمه الله:"لما ذكر تعالى المخلفين وذمهم ذكر أن من عقوبتهم الدنيوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا انطلقوا إلى غنائم لا قتال فيها طلبوا منه الصحبة"، قال صلى الله عليه وسلم:"تكفل الله لمن جاهد في سبيل الله لا يخرجه إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" [1] ، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم"، فالأجر و المغنم بدلٌ عن الخير أي الأجر في الآخرة والمغنم في الدنيا، فأسرع أيها المجاهد إلى أطيب الكسب.

قال الخطابي رحمه الله:"وأما المال الذي يكتسب بالخيل -أي بالجهاد- من خير وجوه الأموال وأطيبها". اهـ، وقال الكرماني: معنى الحديث أن المجاهد إما يستشهد أو لا، والثاني لا ينفك من أجر أو غنيمة ثم إمكان اجتماعهما، فهي قضية مانعة الخلو لا الجمع، وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن أو بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البر والقرطبي ورجحها التوربشتي، والتقدير بأجر وغنيمة.

وفائدة أخرى هامة من الناحية العسكرية أن تعلم أن الجيوش تزحف على بطنها، فطلب أموال المشركين وقطع طرق إمدادهم هو إضعاف لقوتهم وحصار لقواعدهم، فلا يمكن لأي قوة كانت أن تؤمن كل ما يحتاجه جيشها بالجو، فعلى الرغم من ضخامة الأسطول الجوي الأمريكي وامتلاكه الطائرات العملاقة إلا أنه يعتمد على الطرق البرية في 70% مما يحتاجه! ولقد أمرنا الله تعالى بحصار قواعد الكافرين وحثنا على الكمائن كأحسن أسلوب لقطع طرق إمدادهم وقال: {واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} قال ابن كثير رحمه الله:"لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم بل اقصدوهم بالحصار في معاقلهم وحصونهم والرصد في طرقهم ومسالكهم حتى تضيقوا عليهم"

(1) قال ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري:"أي مع أجر خالص إن لم يغنم شيئا أو مع غنيمة خالصة معها أجر، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا يحصل له أجر، وليس ذلك مرادا بل المراد أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يغنم، لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم أجرا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان وليس صريحا في نفي الجمع".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت