فهرس الكتاب
فالشافعي ( رحمه الله ) واحد من هؤلاء العلماء الذين يخطؤون ويشتبهون ولا يؤخذ بما يقول ان كان يخالف سنة المصطفى (.
حقيقة فتوى الشافعي
واخيرًا ولكي نبين حقيقة فتوى الشافعي وما قال عنها اهل العلم ، فاقول:
قال اهل العلم اذا كان في المسألة قولان قديم وجديد ، فالجديد: هو المعمول به الا في نحو تسع عشر مسألة افتى فيها بالقديم .
قال العلامة الكردي في الفوائد المدنية ، وقد نظمها بعضهم في قوله:
مسائل الفتوى بقول الاقدم ** هي للامام الشافعي الاعظم
لا ينجس الجاري ومنع تباعد ** والطهر لم ينقض بلمس المحرم
واستجمرن بمجاوز عن مخرج ** للصفحتين ولو تلوث بالدم
والوقت مد الى مغيب المغرب ** ثوب بصبح والعشاء مقدم
لا تاتيين في الاخرتين بسورة ** والاقتداء يجوز بعد تحرم
والجهر بالتامين سن لمقتد ** والخط بين يدي مصل علم
والظفر يكره اخذه من ميت ** وكذا الركاز نصابه لم يلزم
ويصح عن ميت صيام وليه ** ويجوز شرط تحلل للمحرم
ويجوز اجبار الشريك على البنا ** وعلى عمارة كل ما لا يقسم
والزوج ان يكن الصداق بيده ** فضمان يد حكمه في المغرم
والجلد بعد الدبغ يحرم اكله ** والحد في وط الرقي المحرم (1) (2)
(1) مغني المحتاج ، للخطيب الشربيني _ تحقيق الشيخ علي محمد عوض والشيخ عادل احمد عبد الموجود - دار الكتب العلمية ج1 ص 42 - 1421 هـ - 2000 هـ ]
(2) مخالفة المجتهد الشيعي نفسه في الفتوى
عاب علماء الشيعة على فتاوى اصحاب المذاهب الاربعة من اهل السنة بأنهم في بعض الأحيان ربما يكون لهم في المسألة قولان او اكثر ، وان فتاواهم تتغير بين الحين والحين الآخر وكما حدث مع الإمام الشافعي الذي كان له مذهبان المذهب القديم في العراق ومذهب جديد في مصر، وللإجابة عن ذلك نقول:
أولا:
إن أهل السنة يدورون مع النصوص فحيثما وجد النص وقفوا عنده ولا يجاوزونه إلى قول آخر مهما كان ، لهذا لم يكن لهم مذهب سوى الصحيح من الحديث ، وشاع على ألسنتهم قولهم: اذا صح الحديث فهو مذهبي .
ثانيًا:
إن الحديث لم يكن مدونًا تدوينًا كاملًا في عصر الشافعي ـ رحمه الله ـ ومن كان قبله لهذا ربما يصل إلى الشافعي حديث لم يصل إلى غيره وكذا العكس فيفتي هذا على ما وصله وذاك على ما وصله وربما يفتي العالم في المسألة الواحدة برأيين للسبب السابق نفسه .
ثالثًا:
إن مراتب الحديث متفاوته ، فمنها الصحيح ومنها ما دون ذلك وربما افتى فقيه في مسألة نفسها بفتوى مخالفة لاعتماده على حديث ربما يكون ضعيفا ، وربمّا يكون الحديثان صحيحين ولكن احدهما أقوى من الاخر فتختلف الفتوى أيضا ، وربما يعمد الى قواعد التعارض والترجيح للتوفيق بين تلكم الاحاديث المتعارضة وكل ذلك لا حرج فيه و لا ضرر وهو أمر موكول الى الفقيه.
رابعًا:
ربما يراعي الفقيه جملة من الأمور حين الإفتاء منها العرف كما حدث مع الشافعي حينما وجد ان العرف في العراق يختلف عن العرف في مصر فلاحظه في فتياه.
او قد يلاحظ الزمان والمكان في الفتوى ولهذا كثيرًا ما تتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة ، وقد يلاحظ المفتي الشخص السائل نفسه فيفتي لهذا بشيء ويقضي على هذا بشيء ويقضي على ذاك بشيء آخر ، كما لو سرق أحدهم في بلد حلت به المجاعة ولم يكن لديه ما يسد به رمقه فلا يقام الحد عليه والحاله هذه ، بينما يقام الحد على أخيه الذي يعيش معه في البلد نفسه لان لديه من القوت ما يعتاش عليه .
خامسًا:
إن اتهام الشيعة لاهل السنة بهذا الامر إنما كان نابعا من كون ان الشيعة أنفسهم يتحلون بهذا الخلق وان هذا الوصف هو اللائق بهم دون غيرهم ، فعلى الرغم من تواجد اثني عشر معصوما لديهم ، يسدّد ويوجه ، ومن ثم اكتمال مصنفاتهم الحديثية والتي جمعت واصبحت في متناول يد المجتهد وما على الفقيه في يومنا هذا سوى الرجوع اليها لبيان الحكم الشرعي إلا انك لا تجد عالما منهم يذكر قولًا له أو فتوى في كتاب إلا ويرجع عنها في كتاب آخر إن لم يكن في الكتاب نفسه ، فلا تجد ثباتا عندهم في الاقوال والفتاوى بل هي في حالة تغير مستمر وهذا هو المشاهد والملموس واليك دليل ذلك: من خلال اقوال علمائهم .
اقوال علمائهم
* يقول نعمة الله الجزائري:
ان المشهور بين علمائنا رضوان الله عليهم انه لا يجوز تقليد الميت ، فان الخلاف موجود في اكثر مسائل الفقه ، ولو طالع كتابًا اخر كان قد رأى مذهبًا اخر وهلم جرا، بل ولو طالع كتابًا اخر لصاحب هذا الكتاب لوجد الاختلاف كما لا يخفى على من تتبع كتب العلامة قدس الله روحه ، فانه قلما ذهب في كتابين الى اجتهاد واحد بل له في كتاب واحد اجتهادات مختلفة.
[ الانوار النعمانية / نعمة الله الجزائري ج3 ص52]
* قال الفيض الكاشاني:
انا نجد الفرقة المحقة مختلفة في الاحكام الشرعية اختلافًا شديدًا حتى يفتي الواحد منهم بالشيء ، ويرجع منه الى غيره فلو لم يرتفع الاثم لعمهم الفسق وشملهم الاثم .
[الحق المبين في تحقيق كيفية التفقه في الدين / الفيض الكاشاني ناقلًا كلام المحقق في كتابه معارج الاصول ص 106]
* يقول يوسف البحراني:
انا نرى كلًا من المجتهدين والاخباريين يختلفون في احاد المسائل بل ربما خالف احدهم نفسه ، وقال وقد ذهب رئيس الاخباريين الصدوق الى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا اخباري مع انه لم يقدح في علمه وفضله .
[ الحدائق الناظرة / يوسف البحراني ج1 ص169]
* قال امين الاستربادي:
ان المحقق الحلي رجع في اواخر عمره في كتابه المعتبر عن الكثير من زياداته وايراداته على كتاب العدة لشيخ الطائفة الطوسي والتي سطرها في كتابه معارج الاصول.
[ الفوائد المدنية / امين الاستربادي ص 318 ]
* الشيخ سليمان البحراني في كتابه كنه الصواب وفصل الخطاب في احكام اهل الكتاب والنصاب: سئل هل مطلق المخالف - يعني به السني - نجس ام لا ؟ فكتب في الجواب:
الظاهر طهارته ما لم يكن ناصبيًا ، وقد كنت ارجح نجاسته فيما مضى من الزمان وكتبت رسالة ، والذي يقوى في نفسي الان الطهارة وفاقًا للاكثر وان كانوا كفارًا اذ لم يقم لنا دليل على نجاسة الكافر مطلقًا .
[الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب / يوسف البحراني ص241]
حال المتاخرين ليس باحسن من حال المتقدمين
أقول:
وحال متاخري علماء الشيعة ليس باحسن من حال متقدميهم ، فخلافاتهم فيما بينهم وبين المجتهد ونفسه اكبر مما تقدم كما يذكر ذلك محمد حسين فضل الله عند اجابته على سؤال حول فتاواه المخالفه للمشهور هل انها قابلة للبحث المستقبلي ، أي هل يمكن أن تطرأ عليها تعديلات أو بداءات معينة إذا ما اتضحت أمور مستجدة ، أو جرى التعمق في البحث الفقهي ؟
فاجاب:
إن المجتهد الذي ينطلق في فتواه من الأدلة الشرعية كالكتاب والسنة على أساس فهمه الاجتهادي فيها قد يتغير رأيه إذا تغيرت لديه المعطيات الفقهية ، وذلك من خلال اكتشافه وجود الخطأ في اجتهاده أو في وجود بعض الأدلة الأخرى المعارضة لما ذهب إليه ، أو ما إلى ذلك ، لأن الفقيه يتحرك في فقهه من الإخلاص في اكتشاف الحكم الواقعي الصادر من الله ورسوله ، ولهذا فإنه يبقى في حركة دائمة للبحث عن الحكم الشرعي ليسير النظر في اجتهاداته .
وقد رأينا أن بعض الفقهاء المتقدمين تختلف اجتهاداته باختلاف كتبه ، كما ينقل ذلك عن الشهيد الأول ، كما إننا رأينا من بعض علمائنا المعاصرين المراجع وهو آية الله العظمى السيد محسن الحكيم قد تغير رأيه من الفتوى بنجاسة أهل الكتاب إلى الفتوى بطهارتهم ، ومن الفتوى بانحصار المطاف في المساحة بين الكعبة ومقام إبراهيم إلى الفتوى باتساعه ما اتسع الطواف .
وهكذا في كثير من آراء المراجع الاجتهادية ، لأن المرجع ليس معصومًا ، فقد يقع في خطأ الفهم للنص ، وقد يشتبه في تطبيق بعض القواعد على مواردها وقد تغيب عنه بالاستقراء أو بغيره بعض الروايات المعارضة أو ذات الدلالة .
وهكذا فيصير النظر في فتواه في شجاعة المجتهد الفقهية للاعتراف بالخطأ ، وقد حدث لنا أننا كنا نفتي بكفاية الولادة الفلكية للهلال في ثبوت أول الشهر ولكننا عدلنا عن ذلك بالمزيد من التأمل إلى إضافة إمكان الرؤية من الناحية الفلكية لاكتشاف ذلك من بعض الدلالات القرآنية ، فأصبحت الفتوى عندنا وفاقًا لأستاذنا آية الله العظمى السيد.
[ فقه الحياة / محمد حسين فضل الله ص 35 ]
* سئل فضل الله: هل أن صلاة الجماعة واجبة حسب رأيكم ؟
فاجاب: هي حتى الآن واجبة وجوبًا تخييريًا عندنا ، ولكن هناك اتجاهًا في دراستنا الجديدة للموضوع قد ينتهي بنا إلى القول بالوجوب التعييني .
[ الندوة / محمد حسين فضل الله ج2 ص 574]
* اختلف قول الخوئي في الدوره الاولى من الاصول عن الدورة الاخيرة حيث انه قال في الدوره الاخيرة بعدم العمل بمراسيل الصدوق واما بالدورة الاولى صرح بجواز العمل بمراسيله.
[ الخوئي / مصباح الاصول - ج2 ص 519 - 520 ]
* قال الدكتور عبد الرسول غفاري:
ان السيد الخوئي قد رجع عن رأيه السابق وقد ثبت عنده ان ليس كل ما ورد في اسناد كامل الزيارات هم ثقاة .
[ صيانة العلوم الاسلامية ودور علم الرجال فيها / الدكتور عبد الرسول غفاري ص 329 ]
* يقول السيد عباس الرضوي:
كان الخميني يفتي بحرمة اكل السمك الذي ينتج الكافيار لانه ليس هناك قشور على جسمه ، ولكن بعد ذلك غير فتواه الى الحلية.
[ اراء في المرجعية الشيعية لمجموعة للباحثين / السيد عباس الرضوي ص299 ]
تغير المذهب والمنهج عند علماء الشيعة وليس الفتوى فقط
لم تقصر القضية عند علماء الشيعة على تبدل الفتوى ولكن تعدتها الى تغير المذهب او المنهج ، وهذا ما حصل للشيخ يوسف البحراني فقد بدا الشيخ يوسف يميل الى مدرسة الاصولين شيئًا فشيئًا بعد ان كان اخباريًا ، وهذا ما اكده الشيخ نور الدين الموسوي العاملي ناقلًا كلامه ، حيث قال:
وقد كنت في اول الامر انتصر لمذهب الاخباريين ، وقد اكثرت البحث مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين ، الا ان الذي ظهر لي بعد اعطار التامل حقه في المقام وامعان النظر في كلام علمائنا الاعلام هو اغماض النظر عن هذا الباب وارخاء الستر دونه والحجاب وان كان قد فتحه اقوام واوسعوا فيه دائرة النقض والابرام .
[الشيخ نور الدين الموسوي العاملي في حاشيته على كتاب الفوائد المدنية لامين الاستربادي / ص 89]
* قال بحر العلوم:
سلك الشيخ الطوسي في كتاباته مسلكين ، كان الأول منهما يمثل المرحلة البدائية في التفكير الفقهي وهو ما يعرف بمنهج الإخباريين ، وكان الثاني الذي عرف بمنهج الأصوليين .
[ موسوعة العتبات / بحر العلوم ج2 ص 41]