فهرس الكتاب
فالمستبصرون من امثال التيجاني ، وخليفات ، وصالح الورداني... وامثالهما قد وصل بهم الحرص مبلغه على مذهب اهل السنة فخافوا على اهله الوقوع في البدع ومخالفة الرسول( ، واوصلهم البحث والتفقه في مذهب اهل السنة وسبر اغواره فاصبحوا يوجهون الانتقادات له ، ولا يعلمون انهم تحولوا الى ببغاوات تردد ما يذكره علماء الشيعة من تهم مكذوبة بحق مذهب اهل السنة من دون تدبر وبحث وتقصي ، والظاهر ان كل من يدخل الى هذا المذهب تنتقل له فيروسات الكذب ، فيصاب بهذا المرض المنتشر بين علمائه.
والناتج من هذا المنهج وذلك الاتباع الممقوت لاؤلئك المقلدين الذين لا عقل لهم ولا دين ان ادلتهم قلبت عليهم ذلك لخلوها من المصداقية واعتمادها على من يثقون بهم وهم في اصل استدلالاتهم كاذبون وللحق محرفون وعن المطلوب زائغون فسهل الرد عليهم والحمد لله .
واضافة الى ذلك فان السبب من ادعائهم الانتماء الى هذا الفكر هو والله اعلم المصلحة وذلك بسبب لا يخفى على احد انهم لم يستطيعوا ان يأتوا بدليل واحد مقنع ولا استطاعوا ان يثبتوا ولو شبهة واحدة مما ادعوه فاذا كان الحق عنهم بعيدًا ولا يوجد عندهم دليل فلماذا الاتباع والسير خلف كل ناعق اذن .
ولو انهم اعملوا فكرهم وتأملوا حقيقة مذهب التشيع واهله لعلموا يقينًا ان كل وصف يصف هذا المذهب واهله ليقصر عن ايفاء حقهم وان ادنى نظرة لحقيقة هذا المذهب لوجده الناظر مذهبًا قائمًا على البدع والخرافات والكذب ولا يمكن له ان يبقى الا بهذه الاوصاف ، ولهذا نقول لهؤلاء المستبصرين ما قاله الله لاسلافهم من اليهود ( أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ( ( فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَاب ( واللبيب بالاشارة يفهم(1)
(1) هل هناك خمس مكاسب؟
نقول لعلماء الشيعة انكم تعيبون دائمًا على اهل السنة انهم شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ومن ذلك تشريع الصلاة خير من النوم ، فمن كان له مثل هذا الحرص على الدين وله الجرأة على انتقاد الغير يجب ان يكون اكثر حذرًا وورعًا من ان يرتكب مثل هذا الاثم .
ولو رجعنا الى فقه الشيعة ودقننا النظر فيه جيدا فهل يا ترى سنجد مثل هذا الورع والحذر أم أن البدع والاضافات في المذهب لا تعد ولا تحصى ، فلو اخذنا مسألة واحدة على سبيل المثال وهي من الاهمية والخطورة ان قام عليها المذهب الشيعي واستمر بقائه الى يومنا هذا اعتمادًا عليها الا وهي مسألة الخمس ، فمن اين جاء تشريع الخمس الذي انفرد به المذهب الشيعي عن باقي المذاهب الاسلامية ؟ وهل هناك دليل شرعي من الله ورسوله على اعطاء اموال الخمس الى المجتهدين ؟
وقبل الاجابة على السؤال الثاني اقول:
بعد أن اثبتنا في كتابنا ( الشهادة الثالثة حقيقة ام افتراء ) بنقل أقوال علماء الشيعة بان خمس المكاسب قي حقيقته لم يشرع في الإسلام ، وانه لم يكن يدفع على زمن النبي ولا على زمن علي ، والحسن ، والحسين ، وزين العابدين ، والباقر، والصادق…. رضي الله عنهم ، وانه قد شرع متاخرا ً.
وقد نقلنا اقوال علماء الشيعة التي تثبت ما قلناه .
خمس غنائم ام خمس ارباح ام هدايا؟
بل ان هناك غموضا في الاموال التي كانت تعطى للائمة المتاخرين ( العسكريين والجواد ، والمهدي ) هل هي من خمس الغنائم ، ام خمس الارباح ، ام هي من الهدايا؟ فهذا ما تساءل عنه اية الله محمد اصف محسني ، حيث قال:
الاموال التي يقدمها الشيعة الى الامام الغائب بل والى العسكريين من قبل ، ما هي؟ اهي من خمس الغنائم ، ام خمس الارباح ، ام هي من الهدايا ؟ لم يذكر في شيء من الروايات ما يفهم ذلك ؟ ولا مقداره وهذا شيء عجيب .
* ثم قال:
المفهوم من الروايات اصرار القائم على اخذ الاموال المذكورة وكذا اصرار العسكريين والامام الجواد ، والسؤال المهم ان هؤلاء الائمة الاربعة لا سيما الامام المهدي لم لم يذكر للشيعة حكم الاموال المذكورة في غيبته الكبرى ؟ وهذا لا جواب معقول له عندي الا ان يقال انه كان يطلب المال لنفسه ولو هدية ، وقد جعل الله تحصيل رزقه من اموال المؤمنين ، واما في الغيبة الكبرى فجعل له طريقًا اخر، وهذا الاحتمال ينفي وجوب خمس الارباح .
[ مشرعة بحار الانوار / محمد اصف محسني ج2 ص 219 ]
* وقال ايضًا:
اعلم ان وجوب الخمس في الفوائد وارباح المكاسب كما هو المشهور في اعصارنا لا يخلو من غموض وايراد ومن المطمئن به ان اخذه شرع من زمان الهادي والعسكري في الجملة ، واما الجواد فهو وان اخذ بعضه لكن في اثبات كونه من الخمس المصطلح نظر .
* ثم قال:
ثم على فرض وجوبه بعيدًا في تقسيمه الى سهم الامام والسادة ايضًا نظر بل منع بل هو كله حق الامام .
[ مشرعة بحار الانوار / اية الله محمد اصف محسني ج2 ص 456]
اقول:
فاذن لا دليل شرعي على خمس المكاسب لانه شرع بعد وفاة النبي ( والدين قد كمل قال تعالى:
( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا ) (المائدة: من الآية3) .
فمن له احقية التشريع لكي يضيف للدين ما ليس منه ؟ هذا اولًا .
هل هناك ادلة عند علماء الشيعة على اعطاء اموال الخمس الى المجتهدين؟
واما الاجابة عن السؤال الثاني من اين جاء تشريع اعطاء هذه الاموال الى المجتهدين؟ فاقول:
تعالَ نقرأ عزيزي القارىء ما كتبه عادل رؤوف في كتابه (الصدر بين دكتاتوريتين) عن حقيقة الخمس وعن شرعية اعطاء اموال الخمس الى المجتهدين ، حيث قال:
خلاف بين فقهاء المدرسة الشيعية
* إن هناك خلافا بين فقهاء المدرسة الشيعية في مسألة الحقوق الشرعية بالنفي والإثبات ، أما الذين قالوا بنفي مسألة الخمس فهو المحدث السبزواري المتوفى 1090 والمحقق العاملي المتوفى عام 1226 وهما من أكابر فقهاء الإمامية ، والمشهور خلاف ذلك ، أي وجوب الخمس قبل الغنيمة وبعدها .
والخمس كما معلوم ينقسم إلى قسمين حق السادة ، وحق الإمام ، وحق الإمام كما هو معروف بين فقهاء الطائفة الشيعية لا يجوز التصرف به إلا بإذن الحاكم الجامع لشرائط الفتوى ، إلا أن هذه الفتوى ليس لها اصل لا في القران ولا في السنة فكيف يجوز لفقهاء الشيعة أن يصدروا الفتوى بلا دليل ؟ والدليل هو الحاكم ؟
يقولون صحيح انه لم يكن هناك دليل لا في القران ولا في السنة ولا بد من اصل البراءة ، إلا أن إحراز رضا الإمام شرط أساسي من خلال الحاكم الشرعي وهنا تقع إشكالية خطيرة فما الفرق بين الفقيه والإنسان العادي إذا كان واعيًا ويعطي حق الإمام إلى الأيتام والفقراء والمبلغين والمجاهدين والكتاب والعاملين وعوائل الشهداء ، هل هذا يحرز رضا الإمام ؟ الفقهاء يقولون لا أشكال في ذلك واخذ الإذن من الحاكم الشرعي ليس واجبًا .
عدم وجوب مراجعة الحاكم الشرعي في الخمس
لقد اختار فريق من فقهائنا الأعاظم عدم وجوب مراجعة الحاكم الشرعي في حق الإمام وجواز تصرف المالك فيه منهم الشيخ المفيد الذي عالج هذه المسألة بكافة وجوهها والمحقق البحراني ، والشيخ الخاقاني ، والشيخ الأصفهاني ، والسيد محمد الحسني البغدادي .
* يقول محمد جواد مغنية:
اطلعت وانا ابحث وانقب عن مصادر هذه المسألة واقوال الفقهاء القدامى والجدد في سهم الامام حال غيابه ، اطلعت على كلمات صاحب الجواهر حيث قال:
ان مثلنا ممن لم تزهد نفسه بالدنيا لا يمكنه الاحاطة بالمصالح والمفاسد ، كما هي في نظر الامام ، فكيف يقطع برضاه مع عدم خلوص النفس من الملكات الرديئة، كالصداقة والقرابة ونحوهما من المصالح الدنيوية فقد يفضل البعض لذلك ويترك الباقي في شدة الجوع والحيرة .
ونسال:
لو افترض ان من عليه الخمس يعلم مواقع الخير التي ترضي الله والرسول من مصرف سهم الامام ، او انه يستطيع ان يعلم ذلك من خبير به ولكنه غير الحاكم الشرعي ، فهل له ان يعمل بعلمه وينفق سهم الامام فيما اعتقد انه يرضي الله والرسول دون ان يرجع الى الحاكم الشرعي او لا بد من الرجوع اليه ، بحيث اذا انفق شيئًا من سهم الامام بدون الترخيص منه لم يفرغ ذمته حتى ولو صادف الواقع؟
الجواب:
المشهور على وجوب الرجوع الى الحاكم ، ولكن هذا من المشهورات التي لا اصل لها ولا دليل عليها من كتاب ، او سنة ، او عقل ، بخاصة اذا صادف الانفاق محله الواقعي مع نية القربى المفروض تحققها بل قام الدليل على ضد وعكس هذه الشهرة، ذلك ان الواجب هو الاداء والوفاء بسهم الامام واشتراط الرجوع الى الحاكم قيد زائد فنفي زائد . هذا الى انه لا واسطة في الاسلام بين الله والانسان وان الله جل وعلى يتقبل من العبد عباداته واعماله بدون شفيع ما دام مخلصًا في قصده مؤديًا لحقه مطيعًا لاوامره .
* ويضيف صاحب الجواهر:
وحيث لا دليل على وجوب الرجوع الى الحاكم في سهم الامام ومصرفه فقد ذهب جماعة من الفقهاء الى ما قلناه منهم الشيخ المفيد .
* وقال مغنية: كما قال صاحب الحدائق:
ان نيابة الفقيه عن الامام هي في القضاء والافتاء لا في قبض الاموال وللفقيه ايضًا الولاية في كل ما تدعو اليه الحاجة والضرورة كالولاية على الاوقاف التي لا ولي لها وعلى الايتام الذين لا ولي خبري لهم وما الى ذلك مما لا بد منه ، ولكن هذا شيء وعد فراغ الذمة من دين الخمس بعامه او سهم الامام بخاصه الا الرجوع الى الحاكم شيء اخر .
اما من قال: ان الحاكم الشرعي اعرف بالمواضع التي يجب ان يصرف فيها سهم الامام فنجيبه بان هذا تسليم واعتراف بان العبرة بمعرفة المواضع والمواقع المطلوبة لا بالرجوع الى الحاكم .
إلغاء سهم الإمام افضل
* ثم قال محمد جواد مغنية:
وفي عقيدتي إن إلغاء سهم الإمام افضل آلف مرة من إن يأخذه المتطفلون والمرتزقة ومن الذين يتاجرون بالدين لانه تشجيع الجاهل على جهله وللمغرور على غروره وللضال على ضلاله .
* وذهب محمد الحسني البغدادي الى ابعد من ذلك حول المتصدين قائلًا:
واعجب من هذا كله اتخاذ الفتوى عنوانًا اعتباريًا او تعيشيًا كما وقع قديمًا وحديثًا نسأله تعالى المعافاة في الاديان كما نسأله تعالى المعافاة في الابدان .
واستمر عادل رؤوف بنقل اقوال علماء الشيعة التي تؤكد على انه لا دليل شرعي على اعطاء اموال الخمس للمجتهدين ، ومنهم:
* السيد محمد سعيد الحكيم ، حيث قال:
الازمة المذكورة من اهم مشاكل هذه الطائفة الممتحنة واعقدها … مما اوجب انعكاس صورة سيئة لرجال الدين والتبليغ عند كثير من الناس وضاع الصالح في هذا الخضم، حتى اعتقدوا انهم لم يدخلوا في هذا المجال من اجل القيام بالوظيفة الشرعية واداء الواجب في الدعوة الى الله تعالى ، بل من اجل تحصيل المال والكسب غير المشروع وسلبت الثقة منهم وشاع سوء الظن فيهم حتى قد يتفاقم الامر ونصل الى ما لا تحمد عقباه .
* قال صاحب الحدائق:
لم نقف له أي لوجوبية الرجوع الى الحاكم الشرعي على دليل وغاية ما يستفاد من اخبار اهل البيت نيابة الحاكم في القضاء والمرافعات والاخذ بحكمه وفتواه اما دفع الاموال اليه فلم اقف على دليل عمومًا ولا خصوصًا .
* قال الخميني في هذا الاطار:
وادعى بعضهم العلم برضا الامام بتلك المصارف المعهودة لحفظ الحوزات العلمية ونحوها ، وليت شعري كيف يحصل القطع افلا يحتمل ان يكون الصرف في بعض الجهات ارجح في نظره الشريف كالصرف في رد الكتب الضالة الموجبة لانحراف المسلمين سيما شبهاتهم وكانوا في الدفاع عن حوزة الاسلام الى غير ذلك مما لا علم لنا به فدعوى القطع لا تخلو من مجازفة .
[ الصدر بين دكتاتوريتين / عادل رؤوف ص 356 - 362]
اعطاء الخمس الى المجتهدين ليس له دليل من كتاب او سنة اوعقل
اقول:
اذن اعطاء الخمس الى المجتهدين هو امر- حسب اعتراف علماء الشيعة- ليس له دليل من كتاب ، او سنة ، او عقل ، ومع ذلك فان مجتهدي الشيعة كثيرًا ما يخوفون عوام الشيعة من عدم اعطاء هذه الاموال اليهم فيهددونهم بالويل والثبور ودخول النار ومعصية الله ورسوله ، فما على العوام الجهال الذين يخافون هذا الارهاب الا الخضوع والدفع وهم صاغرون .
ولان هؤلاء العلماء يعرفون جيدًا ان تصرف عوام الشيعة بهذه الاموال بدون الرجوع اليهم يودي الى انقطاع موارد الحوزة وفشل الحوزة وانتهائها تدريجيًا ، ولان قيام هذه الحوزة واستمرارها طوال هذه السنين هو نابع من استمرار تدفق اموال هؤلاء المساكين الحمقى الذين يعملون ويتعبون ليل نهار ثم يقدمون تعبهم هذا لكروش كبرت ونمت من تعبهم.
الاستبداد والدكتاتورية
* وقال عادل رؤوف:
ان الاستئثار بالمال هو شكل من اشكال الاستبداد والدكتاتورية خصوصًا اذا كان مالًا يمثل ( حقوقًا شرعية ) للمسلمين ، ولقد برزت هذه الاشكالية في السنوات الاخيرة بشكل مرعب وخطير لا سيما في العراق الذي يمر بفترة استثنائية من الضياع والجوع والهدر في الامكانات الذهنية والعقول والكفاءات التي غادرت بلدها لاسباب سياسية دكتاتورية ، وكان الكثير منها يختبىء في وعيه افتراض دور ما لنفسه داخل المؤسسة الدينية لتطويرها وخدمتها خدمة للرسالة والدين ، والذي حصل ولا زال يحصل هو صدمة هذه الكوادر بواقع وكيفية الحصول على المال الشيعي وادارته بطريقة استبدادية دكتاتورية في الكثير من الاحيان … الامر الذي ادى الى احباط ونكوص وتراجع لدى الكثير منهم … .
ومن ثم نقل عادل رؤوف معاناة علماء الحوزة وطلبتها في الحصول على اموال الخمس التي اصبحت توزع بين الحواشي والاقرباء ولا يصل لهم منها شي وهم احق الناس في الحصول عليها ، فنقل قول عالم الدين طاهر ال عكلة عن محنة الفوارق الطبقية والتلاعب بالاموال التي تعيشها المؤسسة الدينية في العراق فهو يقول متهكمًا:
قلت: اثمة رزق ساقه الله فلا علاقة له بالقيم والمبادى فاذا حرمنا من حقنا في بيت المال فلعل الله قد فتح لنا باب الرزق من (البيت الابيض) واذا لم نعد من اصحاب سهم الامام فعسى ان يطالنا شيء من سهم (كلنتون) .
* وقال الامام البغدادي:
كان بعض العلماء مد ظلهم يصل ارحامه ، وتلامذته ، وخدامه ، والدعاة، والمروجين له ، والسائلين منه ، وجميع من يلتف حوله ويضاف اليه ، ولا يصل غيرهم !! معتذرًا عن ذلك باني مبتلى بهؤلاء وهم مصداق الحقوق الشرعية .
التلاعب بالمال الشيعي ظاهرة قديمة
* ثم يقول عادل رؤوف:
إن التلاعب بالمال الشيعي لم يكن ابن المرحلة الحالية بل هو ظاهرة في هذا الجيل وفي الأجيال التي سبقته ، والغريب انه في وسط المؤسسة الدينية يترك هذا التلاعب بصماته واضحًا على الكثير من طلاب هذه المؤسسة وأنا أتذكر الفترة المضنية التي كنت ادرس فيها في الحوزة العلمية وبعض الإذلال الذي يعانيه الطالب في جمع مرتبه الشهري الذي بالكاد يبقيه على قيد الحياة ، ولعل ذلك واحدًا من الأسباب التي دعتني إلى ترك الدراسة الحوزوية .
وفي الخمسينات كما في الثمانينات كما ألان بقيت المؤسسة الدينية أسيرة لفوارق طبقية مرعبة حتى في داخلها ، وتحولت الكثير من الحقوق الشرعية إلى أموال شخصية تنتقل بالوراثة من المرجع إلى أولاده أو المقربين منه وتحول هؤلاء إلى زعماء بالقوة ، قوة المال يكفرون من يتفوه بكلمة ، ويطلقون الشائعات إزاء أي صوت معترض ، ويلصقون التهم به ، باسم الإسلام من خلال حاشية جاهزة على الدوام لذلك، ما دام الفقر والعوز موجودًا وقائمًا ، فيتحول المال بذلك إلى منشأ خطير من مناشىء الطاغوتية والدكتاتورية لدى بعض رجال الدين .
* ونقل قول الشيخ محمد مهدي شمس الدين عن فترة الخمسينيات في الحوزة حيث قال:
كنت اذ ذاك في بداية الشباب وفي ذروة الحياة الدراسية في النجف وحلقاتها العلمية حيث الفقر حينذاك والحاجة الى حد الجوع وطي الليالي والايام بلا طعام وحيث البحث في ليالي الجوع الظلماء عن نفايات الخبز في شرفات غرف الطلبة في المدرسة وهي نفايات قليلة فاغلبهم ايضًا فقراء وان لم يبلغوا في فقرهم حد الجوع وقلما كانت تتاح الفرصة للحصول عليها لغلبة الحياء وخوف انكشاف الحال فتغسل مما علق بها من تراب وتنقع في الماء لتلين ، وحيث النوم بلا وطاء او بلا غطاء ، وحيث الثياب الممزقة المرقعة ولبس ثياب الصيف والشتاء في بعض السنين ولبس ثياب الشتاء والصيف في بعض سنين اخرى .
وكنا لا نقدر على شراء جريدة لاننا لا نقدر على ثمنها او لا نجرؤ على التظاهر باقتنائها فكانت من قراءات السر لان الجريدة والمجلة كانت في عرف النجف الصارم الحاسم من الامور العصرية التي تحمل في ثناياها الكفر والضلال وافكار الاجانب من دول الغرب الكافر الذي غزانا واستعمرنا … .
* ونقل عادل رؤوف كلام غالب حسن في مقالته الثورة البريئة والمؤامرة الدنيئة، حيث قال:
وسوف تبقى المؤسسات الشيعية كمؤسسة السيد الخوئي قاصرة ما دامت خاضعة للنمط الحوزوي القائم على صراع المراجع ورجال الدين والقائمة على بنية برجوازية، وليس من شك ان التحالف الخفي بين برجوازية الشيعة ورجال الدين خطر كبير يهدد في المستقبل صميم الشيعة .
* وختم عادل كلامه قائلًا:
ان هناك الكثير من النصوص من المثقفين والمفكرين الاسلاميين تجاوزت هذه الاعترافية الى العمق ، الى عمق القضية الشيعية ومصيرها ومستقبلها.
[ الصدر بين دكتاتوريتين / عادل رؤوف ص 356 - 362]
اعلنها مدوية
* وأعلن الحقيقة مدوية السيد احمد الحسني البغدادي بحق الحوزة العلمية ، فقال:
نرى اليوم بأم أعيننا مرجعًا دينيًا إقليميًا ظهر على الساحة النجفية يحاول بكل ثقله الإستراتيجي ترشيح أحد حواشيه لمنصب المرجعية الإمامية ، بل فتح له رصيدًا من الدولار الأصفر بلا حدود من أرزاق الكادحين والمحرومين ! وهو بالإجماع الحوزوي لم يكن مجتهدًا مطلقًا ، بل ديكورًا ، بل يظن انه تحكم في كل شيء واصبح قادرًا على كل شيء ، لذا نراه ينفق في تبذير ويتلذذ في تبذير وهو لا يتقي غضب الله ولا سخط المستضعفين ، ويحسب ان اجله ممدود وان ليس وراءه حسيب ، ولا رقيب، وحتى نسي ان هناك واجبًا وان هناك حرامًا ، وان هناك موتًا ، وان هناك نشورًا وكانت نهاية طموح مخططه التضليلي اذ أمات الله خليفته المرتقب فجأة ، وبلا علة، وفق المداولة القرآني:
(وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ((آل عمران: من الآية140)
[ حق الإمام في فكر السيد البغدادي / السيد احمد الحسني البغدادي ص 65 - 66 ]
آية الله أبو القاسم الخوئي
أقول:
ربما لا يعلم القارئ من يقصد السيد البغدادي بهذا المرجع فأقول له انه آية الله أبو القاسم الخوئي .
* وقال البغدادي:
داخلني الاسف الاسيف حين لمست بوضوح في عصرنا يصرح احد المتصدين للمرجعية الشيعية العليا بالنجف الاشرف لكل من يقلده بعدم اعطاء الحقوق الشرعية لا سيما حق الامام لطلاب الحوزة العلمية الملتزمة في الوقت الذي يمنحهم مخصصات جزئية في كل شهر لا تسد متطلبات الحياة الحوزوية والمعيشية الصعبة ! … .
ثم يزدادني الالم المرير ، حين ترى الزعم القائل من قبل الواجهات الحوزوية اللاموضوعية بانه لا حاجة لكثرة طلاب الحوزة العلمية مع الاكتفاء بالقليل منها.
* وتساءل البغدادي عن أموال الخمس فقال:
أين تذهب هذه الأموال الطائلة ! وبأي مكان تصرف حقوق الله ، وحقوق الأمة المجاهدة ؟!
أين الأصوات الثورية المؤمنة ، والأقلام الحرة الباسلة ، تدعوهم إلى الحساب من الفقهاء الثوريين ، والدعاة الرساليين ؟
فماذا ننتظر يادعاة ؟!
ليس في المدرسة النجفية قيادة موضوعية حكيمة تقسم هذه الأموال على الوجه التي تقرره عدالة الإسلام .
ماذا ننتظر يادعاة؟!
وطلاب الحوزة الضحايا المحرومين جياع في كل مكان ، بعد ان كانت الهدايا والتقسيمات من كل مرجع عام .
ماذا ننتظر يادعاة ؟!
ونشاهد التسيب والضياع في كل البيوتات العلمية بعد ان كانوا الكثرة الكاثرة … .
ماذا ننتظر يادعاة ؟! ماذا ننتظر يادعاة ؟!
نريد ان نضع هذه الفروض المالية في بيت مال المسلمين بشكل عام ، تشرف عليه القيادة الإسلامية المتمثلة بالمراجع العليا الذين يتصفون بالعدالة حتى توزع هذه الثروة في البيئة النجفية وغيرها بصورة متوازنة عادلة .
نريد ان نكتشف بعض الحواشي والأبناء المتسترين والمحترفين باسم الدين ! الذين تحولت حياتهم المعيشية الضيقة إلى قصور شامخه فخمه ، وحياة مترفه ! ونحاسبهم من أين لكم هذا .
* وقال البغدادي خاتمًا كلامه:
واخيرًا اني انتقد !! لاني ابكي واتعذب لا لاني اكره واعادي ، انتقد هؤلاء بالاساليب العلمية الهادفة !! لاني اريدهم بمستوى المسؤلية الحركية الاسلامية التاريخية ، وانتقد المرجعية الدينية !! لانها لا تحترم منطق الحوزة العلمية الملتزمة ، انتقد الحياة الفكرية !! لاني اعيشها بمعاناة بلا شروط ، بلا اقتناع ، بلا نظرية .
ان كل دموع هؤلاء الضحايا من رجال الحوزات الدينية تنصب في عيوني !! واحزانهم تتجمع في قلبي !! والامهم تاكل اعضائي !! ليس لاني قديس بل لاني انسان متالم حزين يتصور العذاب الحوزوي ويجربه ويعيشه معايشة ميدانية معمقة .
[ حق الإمام في فكر السيد البغدادي / السيد احمد الحسني البغدادي ص 60- 68 ]
اقول:
انقل هذه الاقوال وانا حزين على حال عوام الشيعة البسطاء الفقراء الذين لا يعلمون بهذه الحقائق المريرة التي طالما اخفيت عنهم عن طريق الارهاب الفكري والتخويف من مخالفة المجتهد لانه نائب المعصوم فمخالفته تعني مخالفة المعصوم والراد على المعصوم كالراد على الله .
* قال محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الامامية:
وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط انه نائب للامام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق له ما للامام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس والراد عليه راد على الامام ، والراد على الامام راد على الله تعالى وهو على حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق ال البيت عليهم السلام .
[ عقائد الامامية / محمد رضا المظفر ص 69 ]
اقول:
هؤلاء المساكين الذي يسلمون هذه الاموال وهم في امس الحاجة اليها او لهم من الاقارب والمعارف والجيران ممن يتضور جوعًا ، وهم باعطائهم هذه الاموال الى المجتهدين يعتقدون وكانهم ادوا فريضة قد فرضها الله عليهم فهم فرحون مستبشرون بانهم ادوا حق الله باعطائهم هذه الاموال الى المجتهدين ، وهم لا يعلمون بانهم قد كذب وضحك عليهم واموالهم هذه قد ذهبت لارضاء الاقارب والاهل والاولاد والى قضاء حاجات المرجع من طباعة رسائله العمليه وكتبه المدعومة من اموال الخمس للترويج لمرجعيته ، وسد حاجات مكاتبه المنتشرة في المدن والدول من ايجارات ومرتبات لمن يعمل في هذه المكاتب من وكلاء وحواشي .
فكم مرجع موجود ؟ وكم رسالة عملية ؟ وكم كتاب ؟ وكم مكتب ؟ وكم ايجار ؟ وكم وكيل ؟ فمن اين تدفع هذه الاموال ؟ انها تدفع من اموال هؤلاء المساكين ، فعليك ان تعرف ايها القارىء الشيعي اين تذهب اموالك وتحذر من اعطائها الى هؤلاء .
قال السيد عصام الحسني الياسري:
كثرت في أيامنا ظاهرة فتح المكاتب والمثليات التابعة للمرجعيات والشخصيات (الدينية) ، أو التي تحمل أسماءهم حتى أنها لتضاهي مكاتب رجال الأعمال ، والحق أنها ما أنشئت لتقوية الدين ، والارتقاء بالشريعة ، ولا بنيت لنشر العلم والعلماء، وما لها هدف سوى خدمة رموزها ، بل شاع على لسان الناس في زماننا تسميتها بـ (الدكاكين) بداهة أنهم ما رأوا منها إلا المتاجرة بالقضية والدين ، والإثراء لجيوب من فيها من المسئولين الأميين ، والمشبوهين الساقطين.
[ إسلام بلا هوية محاظرات في الاصلاح السياسي والديني في العراق / عصام الياسري ص330-331]