إن مصداق الأقوال السابقة هو ما فعله العلامة الحلي عندما جمع اختلافات علماء الشيعة من بداية ظهور فقه الإمامية وإلى زمنه - أي إلى سنة 720 هـ - في كتاب أسماه ( مختلف الشيعة ) وبلغ عدد أجزاء هذا الكتاب عشرة مجلدات من القطع الكبير وقد ضمنه جميع أبواب الفقه وأظهر اختلاف الفقهاء فيها ، ولو تصفحنا هذا الكتاب جيدًا لوجدنا أن فقهاء الإمامية لم يتركوا بابًا من أبواب الفقه ألا وقد اختلفوا فيه اختلافًا شديدًا ، يصل بهم الحال في بعض المسائل بأن يفتي أحدهم بالحلية ، ويفتي الأخر بالحرمة .
هذا ولا بد من التنبيه على إن عدد أجزاء الكتاب الذي وضعه الحلي في اختلاف الشيعة قد وصل إلى عشرة وذلك بسبب قصر المدة الزمنية التي كتب عنها الحلي ، واقتصاره على عدد قليل من العلماء ، ولو قدر لشخص أن يجمع مثل هذا الكتاب اليوم ليبين فيه اختلاف علماء الشيعة منذ بداية ظهور الفقه الشيعي إلى يومنا هذا لاحتاج إلى مئات المجلدات .
واليك ما قاله الحلي في مقدمة كتابه:
أما بعد فاني لما وقفت على كتب أصحابنا المتقدمين ومقالات علمائنا السابقين في علم الفقه وجدت بينهم خلافًا في مسائل كثيرة متعددة ومطالب عظيمة متبددة ، فأحببت أيراد تلك المسائل في دستور يحتوي على ما وصل ألينا من خلافهم في الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية…. (1) (2)
(1) مختلف الشيعة / العلامة الحلي المقدمة ]
(2) اين قول المعصوم من هذه الاقوال
ومثال على هذه الاختلافات ما ذكره الدكتور أحمد الوائلي في كتابه من فقه الجنس في قنواته المذهبية ، وكذلك محمد جواد مغنيه في كتابه فقه الإمام الصادق تحت عنوان اختلاف الدين [ هل يجوز للمسلم ان يتزوج الكتابية اليهودية والنصرانية ج5 ص 201 ] [ والنص للدكتور الوائلي ] .
قال الوائلي: أما اليهود والنصارى ففي الزواج منهم أقوال ستة ، وأبرز الأقوال:
قول بعدم الجواز مطلقًا.
قول بالجواز متعة لا دوامًا ، وبملك اليمين .
قول بالجواز في حالة الإضطرار ، وعدم وجود المسلمة .
قول بالجواز مطلقًا على كراهية .
قول بالجواز مطلقًا بدون كراهية .
ثم قال: هذا التفصيل الذي ذكرته هو عند (الأمامية) .
أما (المذاهب الإسلامية الأخرى ) فقد ( أجمعوا ) على ( الجواز ) من النصرانية واليهودية دون المجوسية .
[ فقه الجنس في قنواته المذهبية / الدكتور أحمد الوائلي ص245 ]
اهل السنة اتفقوا واتباع سفينة النجاة تفرقوا
أقول:
وهذا الكلام يبين مدى اختلاف الشيعة في المسألة الواحدة إلى أقوال ، واتفاق أهل السنة وبقية المذاهب على قول واحد .
وأهل السنة اتفقوا على قول واحد على الرغم من عدم وجود معصوم عندهم غير رسول الله ( .
والشيعة اختلفت أقوالهم إلى ستة أقوال مع وجود المعصوم ، ولا أقول معصومًا واحدًا بل اثني عشر معصومًا ، فمن من هذه الأقوال هو قول المعصوم ؟ وهل من المعقول ان يكون للمعصوم كل هذه الأقوال المتناقضة ؟
فاستحلفكم بالله أي هذه الأقوال يركبني سفينة أهل البيت ، علمًا ان هذه الأقوال على طرفي نقيض ، فهذا يحرم ، وهذا يحلل ، والكل يدعي بان الحق معه وهو ناج لانه ركب سفينة أهل البيت .
* يقول محمد جواد مغنية:
اتفقت مذاهب السنة الأربعة على صحة الزواج من الكتابية ، واختلف فقهاء الشيعة فيما بينهم .
[ تفسير الكاشف / محمد جواد مغنية ج1 ص334 ]
اختلافهم في صلاة الجمعة
ومثال على اختلافاتهم الكثيرة:
هو ما حاصل ألان في صلاة الجمعة فقد اختلفوا فيها أختلافًا كبيرًا ، هذه الصلاة التي ذكرها سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وخصص سورة كاملة لها تسمى سورة الجمعة قال تعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ((الجمعة:9)
مع كل هذا نجد الشيعة اختلفوا في شرعيتها واليك اشهر الاقوال عندهم فيها:
ومن أشهر الأقوال:
1-التحريم مطلقًا .
2-الوجوب التخيري .
3-الوجوب التعيني .
4-الوجوب بشرط أن يكون الأمام فقيهًا .
5-التوقف بين الحكم بالوجوب والحكم بالحرمة .
وقد وقع الخلاف في هذه الصلاة في إن الإمام ونائبه هل هو شرط فيها أم لا وهذه الأقوال هي:
القول الأول:
عدم اشتراط الإمام ونائبه في وجوب الجمعة كما هو ظاهر قول المحدثين كالكليني والصدوق .
القول الثاني:
اشتراط الإمام ونائبه في وجوب الجمعة العيني وبدونه لا تجب بل تستحب ، وهذا القول منسوب لظاهر الشيخ الطوسي في النهاية .
القول الثالث:
اشتراط الإمام ونائبه في انعقاد الجمعة مع حضور الإمام لا مع غيبته ، وهذا القول منسوب للشهيد الثاني في كتبه والعلامة في النهاية .
القول الرابع:
اشتراط الإمام ونائبه في انعقاد الجمعة مع الإمكان وعند تعذر الأمرين يكفي من تكاملت له صفات إمام الجماعة ، وهذا القول لأبي الصلاح الحلبي.
القول الخامس:
اشتراط الإمام ونائبه مطلقًا مع حضور الإمام وغيبته ، وبدون ذلك تسقط الجمعة وتعين صلاة الظهر ، وهذا القول منسوب للديلمي ، وابن إدريس ، وهو محكي عن ظاهر السيد المرتضى في بعض أجوبته على بعض المسائل ، وعن العلامة في المنتهى وجهاد التحرير والشهيد في الذكرى .
هذه أصول الأقوال والوجوه ، ويتفرع عليها بعض الأقوال الأُخرى منها القول:
1-بوجوب صلاة الجمعة تخييرًا بينها وبين الظهر إبتداء لكنها إذا انعقدت جامعة للشرائط تعينت .
2-ومنها وجه وجوب صلاة الجمعة مع الفقيه على وجه التعيين ومع غيره على وجه التخيير بينها وبين الظهر.
[ حقائق الأحكام في رسالات الإسلام / محمد العاملي الكاظمي ص33 ]
سفينة النجاة
اقول:
من الامور العجيبة و لا عجب مع المعاند المكابر أنك تراهم يعيبون على الغير بما هو فيهم متحقق على اعلى الدرجات واشد الهيئات واقوى الصور ومن تلك الامور الاختلاف فهو احد الاشياء والمعايب التي يواجهون بها الغير من مخالفيهم وخصوصًا اهل السنة ويجعلون من هذا الاختلاف في مسائل الفقه خصوصًا احد الاسباب المؤدية الى اسقاط اقوال وطعن في اقوام .
والذي يثير العجب ويدفع الى التساؤل انك تجد هذه الطعونات فيهم كما قلنا على اشده ومنها الاختلاف الذي بيناه فان الاختلاف عندهم على اعلى الدرجات في مسائل الفقه بل الخلاف بينهم تجده على صور لا يمكن الجمع بينها ولا التوفيق .
واشد ما ترى اختلافهم حتى في المسائل التي وردت في اثباتها ادلة قطعية وآيات تعينية ومنها صلاة الجمعة والتي ورد فيها سورة كاملة بحقها فتجد احدهم يحرمها، وآخر يحللها، وثالث يقول بكراهيتها ، والرابع يتوقف فيها ، وهكذا تنوعت واختلفت الاحكام نتيجة اختلاف المجتهدين .
فاي اختلاف أشد واي تنافر أظهر فأذا كان هذا هو حال اتباع اهل البيت وسفينة النجاة مع هذا الاختلاف العظيم فما هو فضلهم على غيرهم ؟ وهل خلافهم هذا في هذه المسألة الجزئية اعظم ام اختلاف أهل السنة في مسألة الصلاة خير من النوم ؟
افبعد كل هذا الخلاف يتجرأ الشيعي فيدعي الطعن في المخالف له انه مختلف وعنده تضارب ؟ اقل ما يقال لمن هذا حاله ( عليك نفسك ) او اعتن بنفسك فليس من العقل ان تنصح الاخرين او تطعن فيهم وانت غارق بما تتهم به غيرك وتطعن فيه بمخالفك، سؤال ينبغي بكل عاقل ان يطرحه على نفسه .
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ** فاذا انتهت عنه فأنت حكيم