-كما تقدّم - [1] وكانوا مع ذلك يعمدون - أحيانا - في الانتقاء أن يكون ما ينتقونه من الأحاديث في نوع معيّن من الأحاديث، كأن تكون صحاحا، أو صحاحا عواليا، أو غرائب فقط، أو يجمعون بين الصّحاح والغرائب، أو عواليا، أو ما شابه ذلك، وينبّهون في العنوان على نوع الأحاديث الفوائد الّتي أودعوها هذه الكتب، فيقولون - مثلًا: الفوائد المنتخبة الصّحاح العوالي، أو: الفوائد المنتقاة الصّحاح الغرائب المخرّجة من الأصول، أو: الفوائد العوالي ... وهكذا في كلّ كتاب انتقيت فوائده من أحاديث من نوعٍ معيّن، وهذا ما لحظته وتوصّلت إليه من خلال دراستي لكتب الفوائد ...
ولذا نجد في الكتب المتكلّم على أحاديثها من هذا الضّرب أنّ الحكم عليها لا يخرج عمّا نُبّه عليه في عناوينها من نوع أحاديثها ... كما يُلحَظ جليًا في تخريج أبي الحسن الدّارقطنيّ (ت: 365هـ) لفوائده الأفراد من الرّوايتين عنه [2] والفوائد لأبي إسحاق المزكّي (ت: 362هـ) [3] ، وتخريج النّخشبيّ للفوائد المنتقاة من الصّحاح الغرائب للحنّائيّ (ت: 459هـ) [4] ، والخطيب البغداديّ في تخريجه للفوائد الصّحاح والغرائب للمِهروانيّ (ت: 468هـ) ، وللسّرّاج (ت: 500هـ) [5] ، ولأبي الفرج الدّينوريّ [6] ، وغيرهم، والمؤيّد بالله (ت: 508هـ) لفوائده الحسان العوالي المنتقاة الصّحاح على شرط الشّيخين [7] ، والعثمانيّ (ت: 572هـ) في تخريجه لفوائده الصّحاح [8] ، وعليّ بن بلبان في تخريجه لفوائد الإخوان من الموافقات، والأبدال، والعوالي الحسان لأبي الفرج المقدسيّ (ت: 682هـ) [9] ، وابن الصّيرفيّ (ت: 699هـ) لفوائده العوالي [10] .
وكلّ هذا فيه دليلٌ على ما تقدّم، ودليلٌ على دقّة المحدّثين رحمهم الله في انتقائهم، وانتخابهم، ودقة علمهم بطرق حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأحواله، وبراعتهم في التّأليف، وجودة التّصنيف في كتب الحديث عموما، وكتب الفوائد الحديثيّة خصوصًا [11] ... مع التّنبيه على أمور مهمّة في هذا الجانب ظهرت لي من خلال استقرائي كتب الفوائد، ودراستها، ومنها:
1 -جميع أحاديث كتب الفوائد منتخبة [12] من الأصول، ولا يَلتَفِت المحدّثون - فيما يظهر - عند انتخابها إلى الانتخاب من أصول الشّيوخ الضّعفاء، أو من دونهم من المجروحين [13] .
2 -قلّ أن تُسمّى كتب الفوائد بأسماء مسجوعة، أو غير مسجوعة، فالغالب أن يقال: فوائد فلان، أو الفوائد الصّحاح من حديث فلان - مثلًا - أو ما شابهه.
والّذي يظهر أنّ سبب ذلك: إرادة إبراز نوع أحاديث الكتاب من خلال عنوانه، فتعرف مادّته مباشرة، وأنّها من الأحاديث الفوائد، لا كالّتي تُضمّن بعض الكتب الّتي تشبه كتب الفوائد في الطّريقة، والتّرتيب كالأجزاء الحديثيّة، والمشيخات، والأمالي الّتي لا تعدّ أحاديثها أحاديث فوائد.
والقليل المشار إليه أربعة كتب صنّفت في قرون متأخرة، ومع ذلك لم يُغفل أصحابها التّنبيه على نوع أحاديثها؛ ممّا يدلّ على أنّ التّنبيه على ذلك مطلب مهمّ عند المحدّثين ... وهي:
(1) انظر ص/ 107 وما بعدها، 111، 120، 125.
(2) انظر ص/181 رقم/19، 20.
(3) انظر ص/189 رقم/30.
(4) انظر ص/173 رقم/9.
(5) انظر ص/168 رقم/2.
(6) انظر ص/175 رقم/12.
(7) انظر ص/167 رقم/1.
(8) انظر ص/242 رقم/111.
(9) انظر ص/203 رقم/50.
(10) انظر ص/207 رقم/56.
(11) فهي ليست كتبًا عشوائيّة المنهج، أو أنّ غالب مؤلّفيها لم يرتّبوها على أيّ أساس، أو أنّها أٌلّفت كيف ما اتّفق! بل هي كتبٌ مصنّفة تصنيفًا علميًّا، فانتبه، وتأمّل دراستي جيّدًا؛ وإنّما أكّدت على هذا لأنّ بعض محقّقي كتب الفوائد ذكره، وليس فيه أدنى تحقيق، بل هي عجلة، وتسرّع.
(12) وهو ما يُعبّر عنه عندهم بالتّخريج.
(13) انظر النّقطة السّابعة في أهميّة كتب الفوائد الحديثيّة ص/131، وانظر: ص/119، 125 - 126.