وَأَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ، يَحُضُّهُمْ عَلَيْهِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهِ. وَهَذَا فِي فَضْلِ الطَّعَامِ، وَثَوَابِ الصَّائِمِ.
14738 - وَقَوْلُهُ:"الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ"مَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ مِنِ ابْنِ آدَمَ فِي قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ نِيَّةٌ يَنْطَوِي عَلَيْهَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، وَلَيْسَتْ مِمَّا يَظْهَرُ فَيَكْتُبُهَا الْحَفَظَةُ كَمَا تَكْتُبُ الذِّكْرَ وَالصَّلَاةَ وَالصَّدَقَةَ، وَسَائِرَ أَعْمَالِ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الشَّرِيعَةِ لَيْسَ هُوَ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ دُونَ اسْتِشْعَارِ النِّيَّةِ وَاعْتِقَادِ النِّيَّةِ بِأَنَّ تَرْكَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالْجِمَاعَ ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَرَغْبَتَهُ فِيمَا نَدَبَ إِلَيْهِ تَزَلُّفًا وَقُرْبَةً مِنْهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، لَا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -.
14739 - وَمَنْ لَمْ يَنْوِ بِصَوْمِهِ أَنَّهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَيْسَ بِصِيَامٍ. فَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْحَفَظَةُ ؛ لِأَنَّ التَّارِكَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَيْسَ بِصَائِمٍ فِي الشَّرْعِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ بِهِ وَرَضِيَهُ مِنْ تَرْكِهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيَكَ لَهُ، لَا لِأَحَدٍ سِوَاهُ.
14740 - فَمَعْنَى قَوْلِهِ:"الصَّوْمُ لِي"- وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَكُلُّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ، وَالصَّوْمُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ.
14741 - وَفِي قَوْلِهِ:"الصَّوْمُ لِي"فَضْلٌ عَظِيمٌ لِلصَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ إِلَّا أَكْرَمُ الْأُمُورِ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، كَمَا قَالَ:"بَيْتُ اللَّهِ"فِي الْكَعْبَةِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى:وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الْحِجْرِ: 29 ] ، وَقِيلَ لِعِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ: