فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 148

وكل ما ورد من هذه الآثار فإنه محمول على أن الأرواح تنتقل من مكان إلى مكان، ولا يدل على أنها تستقر في موضع من الأرض. واللّه أعلم.

ويشهد لهذا ما روي عن شهر بن حوشب، قال: كتب عبد اللّه بن عمر إلى أبيّ بن كعب، يسأله أين تلتقي أرواح أهل الجنة وأهل النار. فقال: أما أرواح أهل الجنة فبالبادية، وأما أرواح الكفار فبحضر موت. ذكره ابن منده تعليقا.

وقالت طائفة من الصحابة: الأرواح عند اللّه عزّ وجلّ. وقد صح ذلك عن عمرو، وقد سبق قوله.

وكذلك روي عن حذيفة، خرّجه ابن منده، من طريق داود الأودي، عن الشعبي، عن حذيفة، قال: إن الأرواح موقوفة عند الرحمن عزّ وجلّ، تنتظر موعدها، حتى ينفخ فيها. وهذا إسناد ضعيف. وهذا لا ينافي ما وردت به الأخبار من محل الأرواح على ما سبق.

وقال طائفة: أرواح بني آدم عند أبيهم آدم عن يمينه وشماله، وهذا يستدل له بما في الصحيحين، عن أنس، عن أبي ذر، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، قال: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة» ، فذكر الحديث وفيه: «فلمّا فتح، علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي صالح [و الابن الصالح] . قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار؛ فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى ... » وذكر بقية الحديث «1» .

وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن أرواح الكفار في السماء، وهذا مخالف لقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ [الأعراف: 40] .

وكذلك حديث البراء وأبي هريرة وغيرهما، أن السماء لا تفتح لروح الكافر، وأنها تطرح طرحا، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ: وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ [الحج: 31] .

ولذا حمله بعضهم على أن هذه الأرواح التي عن يمين آدم وشماله هي أرواح بنيه التي لم تخلق أجسادهم بعد، وهذا في غاية البعد مع منازعة بعضهم في خلق الأرواح قبل أجسادها.

وقد ورد من حديث أبي هريرة، ما يزيل هذا الأشكال كله، من رواية أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره، عن أبي هريرة، فذكر حديث الإسراء

(1) أخرجه البخاري (349) و (3342) ومسلم (163) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت