فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 148

منازلهم، سل غنيهم: ما بقي من غناه؟ وسل فقيرهم: ما بقي من فقره؟ واسألهم عن الألسن التي كانوا بها يتكلمون، وعن الأعين التي كانوا للّذات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرقيقة، والوجوه الحسنة، والأجساد الناعمة، ما صنع بها الديدان تحت الأكفان، وأكلت اللحان وعفرت الوجوه، ومحت المحاسن، وكسرت الفقارة، وبانت الأعضاء، ومزقت الأشلاء، وأين حجابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم؟ وجمعهم وكنوزهم؟ وكأنهم ما وطئوا فراشا، ولا وضعوا هنا متكأ، ولا غرسوا شجرا، ولا أنزلوهم من اللحد قرارا، أ ليسوا في منازل الخلوات؟ أ ليس الليل والنهار عليهم سواء؟

أ ليسوا في مدلهمة ظلماء؟ قد حيل بينهم وبين العمل، وفارقوا الأحبة، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، أوصالهم ممزقة، وقد سالت الحدق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دما وصديدا، ودبّت دواب الأرض في أجسادهم، ففرقت أعضاءهم، ثم لم يلبثوا إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما، فقد فارقوا الحدائق، وصاروا بعد السعة إلى المضائق، قد تزوجت نساؤهم، وتردّدت في الطرق أبناؤهم، وتوزّعت القرابات ديارهم وقراهم، فمنهم واللّه الموسع له في قبره، الغضّ الناظر فيه المتنعم بلذته، يا ساكن القبر غدا ما الذي غرك في الدنيا؟ أين دارك الفيحاء ونهرك المطرد؟ وأين ثمارك الينعة؟ وأين رقاق ثيابك؟ وأين طيبك ونحورك؟

وأين كسوتك لصيفك ولشتائك؟ أما رأيته قد زل به الأمر، فما يدفع عن نفسه مدخلا، وهو يرشح عرقا، ويتلمظ عطشا، يتقلب في سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السماء، وجاء غالب القدر والقضاء. هيهات: يا مغمّض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفّن الميت ويا مدخله في القبر، وراجعا عنه، ليت شعري بأي خديك بدأ البلى، يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموت، ليت شعري ما الذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا، وما يأتيني به من رسالة ربي.

ثم انصرف فما عاش بعد ذلك إلا جمعة.

وقد روي عنه من وجوه متعددة أنه قال في آخر خطبة خطبها رحمة اللّه عليه:

ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، ثم يرمها بعدكم الباقون، كذلك حتى يرد إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا، قد قضى نحبه فتودعونه، وتدعونه في صدع من الأرض، غير ممهّد ولا موسد، قد فارقه الأحباب، وخلع الأسباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنيا عما خلف، فقيرا إلى ما قدم.

وكان ينشد هذه الأبيات:

من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخالف الشّين والشّعثا

ويألف الظلّ كي تبقى بشاشته ... فكيف يسكن يوما راغما جدثا

في ظلّ مقبرة غبراء مظلمة ... يطيل تحت الثّرى في غمّه اللبثا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت