وقد وجد عبد القادر في استعماله لهذا الاصطلاح غرابة نظرًا نظرًا لجدته في مجاله الخاص به، وخشي أن ينكر عليه النقاد ذلك فتستر بالجاحظ كلمة التصوير لم تكن واضحة تمامًا، إذ التصوير عند الجاحظ ـ كما يبدو من سياق تعبيره ـ لا يتعدى حدود الجهد العقلي أو العملي الذهني في صياغة الشعر، وهو أجنبي عن مصطلح عبد القاهر الذي استعمله مبتكرًا له ومبتدعًا لمدلوله. فالجرجاني بهذا قد أعطى للصورة رؤية جديدة، وما ذكره دقيق جدًا، فالصورة عنده ليست هي نفس الشيء، وإنما هي مميزاته المفرقة له عن غيره، وهذه المميزات قد تكون في الشكل وقد تكون في المضمون، لأن الصورة مستوعبة لهما، والنظرة لأحدهما لا بد أن تنعكس على الآخر.
لهذا فإن ما أبداه عبد القاهر، يصلح أن يكون نواة لما استقر عليه المصطلح النقدي الأصيل للصورة لدى المحدثين. وليس هنا مجال للتفصيل في الاستدلال على صحة هذا الرأي، لأننا سبق وأن بحثناه في خطوطه العريضة (1) ، إلا أننا سنلمح له في المقارنة كما سيأتي.
وأما ما أبداه التهانوي، وهو من المتأخرين عن عصر عبد القاهر كثيرًا، فقد ترجم رأي عبد القاهر في استجلاء الفروق والمميزات فيما يحصل في الذهن من معلومات، هذا لو أراد الصورة في مصطلحها الفني، أو لو حملنا كلامه على الصورة في اصطلاح الفلاسفة ـ وهي تعني الهيولي في مقابل المادة عند القوم ـ فحديثه لا يعنينا حينئذ، ويحمل كلامه على ما حمل عليه كلام من سبقه.
(1) ظ المؤلف: الصورة الأدبية في الشعر الأموي: 20 ـ 35.