الصفحة 23 من 68

وخلاصة ما تقدم من جولتي مع القدامى والمحدثين من النقاد، أكاد أخرج بنتيجة تمليها المقارنة بين النصوص هي: ـ

أ ـ إن النقاد القدامى لم ينهضوا بمفهوم الصورة إلى المجال الاصطلاحي الدقيق، ولم يخرجوا بها عن مدلولها اللغوي، ولم يتبلور عندهم بعدها النقدي الأصيل باستثناء عبد القاهر الذي ابتدع لنا في استعمال الصورة دلالة اصطلاحية جديدة، فكان ما أعطاه ـ وحده ـ جديرًا بتحديد الاصطلاح في خطوطه الاولى. ولا يعطينا ذلك استعمال الجاحظ لها، وقدامة، والعسكري، وابن الأثير، لأمرين مهمين هما:

الأول: أن كل مصطلح مهما كان عريقًا في القدم فإنه لا يأخذ من قدمه هذا صيغة نهائية، ولا بد له من الصقل والتطوير والتهذيب، وذلك لتقلب الرواد عليه، وتمحيصهم له، وتفريعهم عن أصوله حتى يصل إلى حد التكامل. والصورة إحدى هذه المصطلحات في تكوينها البدائي وقد كان صقلها وبلورتها مما انفرد به عبد القاهر دون سواه، وقد كان بهذا الصقل والتهذيب موضع تأثير كبير في نظريات النقاد المحدثين من العرب والغربيين والمستشرقين (1) .

الثاني: إن القدامى في معركتهم البلاغية لم يفرغوا من التفريق أو التوفيق بين اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون، أو الصورة والمادة، للوصول إلى مقياس فني يعتمد عليه في التمييز بين أساليب الكلام الجمالية، وفي الرجوع بذلك المقياس إلى الصيغة والتركيب، أو إلى المادة

(1) ظ: في تفصيل ذلك: المؤلف، الصورة الأدبية في الشعر الأموي: 28 ـ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت