الصفحة 29 من 68

1 ـ الفريق الأول: ما من شك أن الجاحظ (ت 255 هـ) هو أول من ألقح شرارة هذه المعركة، تعلقًا منه بمذهب الصيغة، وتعصبًا للفظ، ومشايعة للصياغة سواء فيما رآه وقرره، أو بما نقله وأقحمه من آراء العلماء والأدباء والنقاد، وهو في كل ذلك يضع الأناقة والجودة والجمال في الألفاظ، فالمقياس عنده للقيمة الأدبية إنما يتقوم في جزالة اللفظ، وجودة السبك، وحسن التركيب لأن «المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والقروي، والبدوي والقروي، إنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع وجودة السبك» (1) .

وتبعه على هذا الرأي أبو هلال العسكري، فحذا حذوه، وسلك منهجه حتى تقاربت الألفاظ، وتشابهت العبارات، فنراه في فصل يعقده لذلك، وهو الفصل الأول من الباب الثاني من الصناعتين، يقول:

الكلام ـ أيدك الله ـ يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخير ألفاظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، وليس مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه بواديه، وموافقة أخيره فباديه، حتى لا يكون في الألفاظ أثر، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه، وكمال صوغه وتركيبه، فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقًا، وبالتحفظ خليقًا) (2) .

فعيار سلامة الكلام عنده تنحصر في سلامة اللفظ وسهولته ونصاعته، وجودة مطالعه، ورقة مقاطعه، وتشابه أطرافه، وما نسجه على هذا المنوال وفي هذا الهدف، أما إصابة المعنى (فليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا) (3) .

ثم يعزز رأيه بشواهد وأمثلة يختارها تعنى بالصياغة اللفظية، تاركًا وراءه المعاني، عازفًا عن قبولها قبولًا حسنًا، فهي مبتذلة يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي ـ كما عبر عن ذلك الجاحظ بالنص ـ فيقول

(1) الجاحظ، الحيوان: 3/ 131 ـ 132.

(2) الصناعتين: 61.

(3) المصدر نفسه: 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت