الصفحة 30 من 68

«وليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما هو جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه، مع صحة السبك والتركيب، والخلو من أود النظم والتأليف» (1) .

فالعسكري معني بالهيكل وأناقته، ومفتتن بالألفاظ وإطارها باعتبارها الوسائل التي يتفاضل بحسن اختيارها الأدباء، وهو يحكي ما قرره الجاحظ ويتناوله بالكشف والإيضاح، ولا جديد عنده عليه، فهما إذن يصدران عن قاعدة واحدة تشكل هذا الرأي الخاص، ولعل مرد هذا الرأي في تعصبهما الظاهر للفظ إنما يرجع إلى دوافع نفسية وسياسية وعصبية قبلية، وإن صح هذا فهذه الدوافع لا تشكل حكمًا علميًا مجردًا، ولنقف عندها قليلًا:

أ ـ الدافع النفسي: لا شك أن اللفظ الرقيق، والجرس الناغم، والتركيب الناصع، مظاهر تسيطر على النفوس فتنجذب نحوها انجذابًا، وجزالة الأسلوب تهيمن على القلوب فتبهر بها وتنساق إليها، سيرًا وراء هذا المظهر البراق، ولعل الجاحظ والعسكري قد افتتنا بهذا فسيطر عليهما نفسيًا، حتى عاد ذلك قناعة ورأيًا، فكانت أراؤهما تعبيرًا عما يعتقدان.

ب ـ الدافع السياسي: كانت السلطة الزمنية في الفترة ما بين عصري الجاحظ والعسكري فترة مزدهرة بالترجمة والتأليف والكتابة وصولة البيان، وكان الخط السياسي معنيًا بتقييم الكتاب، فعليهم تقوم أركان الدولة، وبهم ينهض مجد الحكم، ومنهم يخرج عطاء الناس، وبهم تتفاخر الأمراء والوزراء والولاة، والكتاب إنما يتميزون بالأداة الصالحة والمهارة الفنية، وهما يستقيمان باللفظ والتحكم فيه، وإخضاع تلك المهارة لأغراض الدولة ومتطلبات السلطان، وليست أغراض الدولة أغراضًا علمية فتحتاج إلى عميق المعاني وموضوعية البيان، وإنما هي أغراض سياسية تحققها قعقعة الألفاظ وزبرجة الهياكل، فإذا أضفنا إلى هذا مكانة الجاحظ وشخصية العسكري وما يقتضي مركزهما من التريث والتدبر حفاظًا على النفس، وقضاء للمصالح، فما المانع أن يندفعا هذا الاندفاع إرضاء لأولئك

(1) المصدر نفسه: 63 ـ 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت