الصفحة 32 من 68

وإذا وافقنا ابن قتيبة في تقرير الموضوع الأصل وهو سليم جدًا، فإننا نخالفه في طبيعة فهمه، وتطبيق الحكم على النماذج التي أختارها دليلًا على صحة دعواه. ولا سيما في الضرب الثاني الذي حسن لفظه وقصر معناه، فإنه يستشهد بهذه الأبيات (1) .

ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالاركان من هو ماسح ...

وشدت على حدب المهاري ... رحالنا ولا ينظر الغادي الذي هو رائح ...

أخذنا بأطراف الأحاديث ... بينا وسالت بأعناق المطي الأباطح

ثم يعقب عليها ناقدًا ومعلقًا بقوله «هذه الألفاظ كما ترى أحسن شيء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام متى، واستلمنا الاركان، وعالينا إبلنا الانضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي منهم الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح (2) .

فابن قتيبة ببساطة يحكم على سذاجة المعنى، ويدعي في الألفاظ سلس العبارة، وجودة المخارج، وحسن المقاطع، ولكنني ألمس مخالفته في الموضعين:

أ ـ اعتبر الألفاظ في سياقها جيدة المخارج والمقاطع والمطالع، وقد يكون بعضهما كما رأى، ولكن أقل ما قبح البعض الآخر مجتمعًا توالي حروف الحلق في حاءاتها وهاءاتها والعين والغين مما يمنع تقاطرها في النطق وانصبابها في التحدث إلا بتكلف، وهي على وجه الضبط: حاجة، ومسح، هو، ماسح، على، حدب، المهارى، رحالنا، الغادي، هو، رائح، الأحاديث، أعناق، الأباطح، فما رأيك في أبيات عدة ألفاظها ثلاثون لفظًا اشتمل منها أربعة عشر لفظًا على حروف مخرجها واحد لا يتعداه وهو الحلق

(1) تنسب الأبيات إلى كثير غزة كما في الديوان: 525، وقيل لابن الطثرية وقيل للمضرب كما في معاهد التنصيص: 241. وتنسب للمضرب وحده كما في أمالي المرتضى: 1/ 458، وإلى هؤلاء وغيرهم كما في تخريج هامش أسرار البلاغة: 21، رقم 25.

(2) ابن قتيبة، الشعر والشعراء: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت