الصفحة 34 من 68

«اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه كارتباط الروح بالجسم: يضعف بضعفه، ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصًا للشعر وهجنة عليه .. فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتًا لا فائدة فيه» (1) .

ويبدو لي أن هذا النوع من التعقيد والتقرير أقرب إلى القصد والاعتدال منه إلى التمحل والتعقيد، فالصورة عند ابن رشيق لا تكون واضحة الرؤية خصبة التخطيط إلا من خلال عنايتها باللفظ لتجعله الوسيط الدال على المعنى المراد لأكيد الصلة ووشيج النسب بينهما «لأن التفكير في اللفظ والمعنى تفكير جملي يفكر فيه الأديب مرة واحدة وبحركة عقلية واحدة، فإذا رتبت المعاني في الذهن ترتيبًا منطقيًا، وإذا تحددت في الفكر تحديدًا يجمعه ترابط المعاني وتداعيها، هذا الترابط وهذا التداعي الذي يرضاه المنطق أو يرضاه حسن الأديب، انحدرت هذه المعاني على اللسان بألفاظها الملائمة بها خطابة، وانحدرت على القلم بألفاظها المطاوعة لها كتابة وشعرًا من غير تهذيب واختيار لهذه الألفاظ» (2) .

وهذا المنهج الذي اختطه ابن رشيق تكاد تنجذب له نفوس قسم من النقاد القدامى والمعاصرين، ففي طليعة القدماء ابن الأثير، الذي يرى أن عناية العرب بالفاظها إنما هو عناية بمعانيها، لانها أركز عندها وأكرم عليها، وإن كان يسوغ بل يعترف أن عناية الشعراء منصبة على الجانب اللفظي، ولكنها وسيلة لغاية محمودة وهي إبراز المعنى صقيلًا، فإذا رايت العرب قد أصلحوا ألفاظهم وحسنوها، ورققوا حواشيها، وصقلوا أطرافها، فلا تظن أن العناية إذ ذاك إنما هي بألفاظ فقط، بل هي خدمة منهم للمعاني (3) .

ولا تفسر هذه المحاولة من ابن الأثير بالاقتداء بخطوة ابن رشيق وهي وإن لم تصرح بمزج اللفظ والمعنى في قالب واحد، ولكنها تشير إلى

(1) العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: 1/ 124.

(2) إبراهيم سلامة، بلاغة ارسطو بين العرب واليونان: 151 ـ 152.

(3) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 353.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت