الصفحة 36 من 68

هكذا كانت النظرة بالنسبة للنقاد الغربيين، فإذا استقبلنا النقاد العرب المعاصرين وجدنا الفكرة أعمق رسوخًا، وأصلب عودًا، والنظرة أفحص إمعانًا، وأكثر ذيوعًا، تارة بالاتحاد بينهما، وأخرى بعدم الانفصال، وثالثة بوحدة المؤدى بين الشكل والمحتوى.

يرى الأستاذ أحمد الشايب عدم إمكانية فصل القيمة الفنية بين اللفظ والمعنى ويرى كلًا منهما انعكاسًا للآخر بسبب «شدة الارتباط بين المادة والصورة أو بين اللفظ والمعنى، أو بين الفكرة والعاطفة من ناحية، والخيال واللفظ من ناحية ثانية، إذ كان هذان صورة لذينك، وأي تغيير في المادة يستتبع نظيره في الصورة والعكس صحيح» (1) .

ويرى الدكتور بدوي طبانة أن اللفظ والمعنى حقيقتان متحدتان، ومنزلتهما واحدة لا تمايز بينهما، والعناية بأحدهما عناية بالطرف الآخر، والاهتمام يجب أن يقسم عليهما بالتساوي لأنه اهتمام بالعمل الأدبي وزنة للقيمة الفنية فيقول: «وليست منزلة المعنى دون منزلة اللفظ في تقدير القيمة الفنية للعمل الأدبي، ولا شك عند المنصفين أن وجوب مراعات جانب المعنى لا يقل شأنًا عن وجوب الاهتمام بالالفاظ» (2) .

وقد أبدى الدكتور شوقي ضيف اهتمامًا كبيرًا بالمسألة، ووجه لها عنايته الفائقة، وأعار لها الصفحات العديدة في كتابه «النقد الأدبي» وتوصل إلى أن الفصل بين اللفظ والمعنى، أو الشكل والمضمون أمر مستحيل ... «فليس هناك محتوى وصورة، بل هما شيء واحد، ووحدة واحدة، إذ تتجمع في نفس الأديب الفنان مجموعة من الأحاسيس ويأخذ تصويرها بعبارات يتم بها عمل نموذج أدبي، وأنت لا تستطيع أن تتصور مضمون هذا النموذج أو معناه بدون قراءته، وكذلك لا تستطيع أن تتصور صورته أو شكله أو لفظه، دون أن تقرأه، فهو يعبر عن الجانبين جميعًا مرة واحدة، وليسا هما جانبين، بل هما شيء واحد، أو جوهر واحد ممتزج متلاحم،

(1) أحمد الشايب، أصول النقد الأدبي: 246.

(2) بدوي طبانة، دراسات في نقد الأدب العربي من الجاهلية إلى نهاية القرن الثالث: 138 ـ 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت