لأن الناس إنما يتحركون بالطبع لأحد قولين إما قول برهانى وإما قول ليس ببرهانى"1"، وهذا الصنف الخسيس من الناس قد عدم التحرك عن هذين القولين.
(56) قال: ومن الشعراء من يدخل في المدائح محاكاة أشياء يقصد بها التعجب فقط من غير أن تكون مخيفة ولا محزنة. وأنت تجد مثل هذه الأشياء كلها كثيرا في المكتوبات الشرعية، إذ كانت مدائح الفضائل ليس توجد في أشعار العرب، وإنما توجد في زماننا هذا في السنن المكتوبة.
(57) قال: وهذا الفعل ليس فيه مشاركة لصناعة المديح بوجه من الوجوه. وذلك أنه ليس يقصد من صناعة الشعراء أى لذة اتفقت لكن إنما يقصد بها حصول الالتذاذ بتخييل الفضائل، وهى اللذة المناسبة لصناعة المديح.
(58) قال: وهو معلوم ما هى الأشياء التي تفعل اللذات بمحاكاتها من غير أن يلحق عن ذلك حزن ولا خوف. وأما الأشياء التي تلحق مع الالتذاذ بمحاكاتها الرحمة والخوف، فإنما يقدر الإنسان على ذلك إذا التمس أى الأشياء هى الصعبة من النوائب التي تنوب وأى الأشياء هى الأشياء اليسيرة الهينة"2"التي ليس يلحق عنها كبير حزن ولا خوف. وأمثال هذه الأشياء هى ما ينزل بالأصدقاء بعضهم من بعض من قبل الإرادة من الرزايا والمصائب لا ما ينزل بالأعداء بعضهم من بعض، فإن الإنسان ليس يحزن ولا يشفق لما ينزل من السوء بالعدو من عدوه كما يحزن ويخاف من السوء النازل بالصديق من صديقه. وإن كان قد يلحق عن ذلك ألم، فليس"3"يلحق مثل الألم الذي يلحق من السوء الذي ينزل [من المحبين] "4"