المسألةُ الرابعة:
المصالحة تُكرِّس الخيانة الكبرى عبر التسليم لليهود بالجزء الأكبر من فلسطين
لقد أجمع العلماء على أنه لو احتل العدو الصائل شبرًا من ديار المسلمين، فإن الجهاد يصبح فرض عين على من ينتمي لملة الإسلام، وينتقل فرض العين على أهل البلاد حسب جوارها من مكان العدو، الأقرب فالأقرب، حتى تتم الكفاية ويُردع العدو، وإن الإقرار للكفار بالسلطة والسيادة والبقاء في ديار المسلمين هو من أكبر الخطايا وأعظم الذنوب، قال الشيخ إبراهيم بن عبد الملك الباجي:"يُصبح الجهاد فرض عين على المسلمين جميعًا أينما كانوا، وفي أيّة بُقعةٍ حلّوا، وإذا ما نال المعتدون من المسلمين كان على النساء من أهل تلك الجهة واجب القتال أيضًا والذود مع الرجال عن حمى المسلمين". قال تعالى (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) [البقرة: 191] .
والرابط بين هذه القضية وبين المصالحة الفلسطينية هو أمران:
الأول: أن حركة وسلطة فتح لا تخجل من التصريح باعترافها المسبق بما يسمونه (دولة إسرائيل) وحقَّها في الوجود والعيش بحرية وأمن على الأراضي المُحتلة عام 48، وهو موقف فتح الذي لم تتراجع عنه إلى يومنا هذا، والخطير هو أن حماس قد وافقت على عقد اتفاق المصالحة والمؤاخاة والشراكة مع حركة فتح، دون أي تلميح أو تصريح في بنود تلك المصالحة على رفض اعتراف فتح بما يسمى (دولة إسرائيل) ، وهذا إقرار ورضى ولا مُبالاة لا يُنكرها عاقل.
إذ كيف تَقبلُ حماس أن تصالح وتُشارك من يُعلن ليل نهار أن لليهود الحق في الوجود والعيش على الجزء الأكبر من فلسطين، بل تصل ما اعترفت به فتح لليهود إلى ما نسبته 87% من أرض فلسطين، فهذا جُرم خطير، وخرقٌ كبير وقعت فيه قيادة حماس ولا يغفر لها ولا يُبرر موقفها من المصالحة، كونها لم تعترف هي حتى الآن باليهود.
الثاني: وهو الأدهى والأمر؛ أن حماس ورغم أنها لم تعترف صراحةً بما يسمى (دولة إسرائيل) ، وصرِّحت أنها لن تعترف بهم أبدًا، إلا أن حماس من حيث تدري أو لا تدري؛ قد قالت وقامت بالكثير من الأمور التي من شأنها أن تُعتبر إقرارًا ضمنيًا بدويلة اليهود، على رأسها تصريح قادة حماس في أكثر من موضع أن هدفهم هو قيام دولة فلسطينية على الأراضي المُحتلة عام 67 (الضفة الغربية وقطاع غزة) .
واللافت للنظر أن خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس قال"حرفيًا"في حفل المصالحة:"نريد أن نتفرغ ونحن مصطفون معًا من أجل تحقيق الهدف الوطني المشترك الذي تقاطعت عليه برامجنا السياسية، وهو أن نقيم دولة فلسطينية حرة وذات سيادة كاملة على أرض الضفة والقطاع عاصمتها القدس بدون أي مستوطن"
ونُشير هنا إلى نقطة يتذرع بها بعض أهل الشبهات، فإن الضعف والهوان الذي تمَُر به الأمة لا يُسوِّغ ولا يُجيز لأيٍ كان أن يرضى بوجود اليهود في أرض المسلمين، بل على كل من أخفق في استرداد الأرض ودفع العدو أن يتنحى عن القيادة ويُسلم الراية لمن بعده وليس عليه من حرج، أما أن يرتكب العظائم بحجة الضعف، فلا.