ومما يحسُن نقله هاهنا ، قول الإمام أبى الحسين مسلم بن الحجاج في مقدمة (( الصحيح ) )حيث قال: (( وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مُنْتَحِلِي الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا فِي تَصْحِيحِ الأَسَانِيدِ وَتَسْقِيمِهَا بِقَوْلٍ لَوْ ضَرَبْنَا عَنْ حِكَايَتِهِ وَذِكْرِ فَسَادِهِ صَفْحًا ، لَكَانَ رَأْيًا مَتِينًا وَمَذْهَبًا صَحِيحًا ، إِذِ الإِعْرَاضُ عَنِ الْقَوْلِ الْمُطَّرَحِ أَحْرَى لإِمَاتَتِهِ ، وَإِخْمَالِ ذِكْرِ قَائِلِهِ ، وَأَجْدَرُ أَنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا لِلْجُهَّالِ عَلَيْهِ ، غَيْرَ أَنَّا لَمَّا تَخَوَّفْنَا مِنْ شُرُورِ الْعَوَاقِبِ ، وَاغْتِرَارِ الْجَهَلَةِ بِمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ ، وَإِسْرَاعِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ خَطَإِ الْمُخْطِئِينَ ، وَالأَقْوَالِ السَّاقِطَةِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، رَأَيْنَا الْكَشْفَ عَنْ فَسَادِ قَوْلِهِ ، وَرَدَّ مَقَالَتِهِ بِقَدْرِ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ الرَّدِّ أَجْدَى عَلَى الأَنَامِ وَأَحْمَدَ لِلْعَاقِبَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ ) ).
فما أشبه الليلة بالبارحة ، فقد نشأ كثير من منتحلى علم الحديث من أبناء جلدتنا ، وأهل زماننا ، على الاغترار بما علموا من محدثات الأمور ، والأقوال الزائفة عند العلماء ، فأسرعوا إلى هذه الأحكام الجائرة على جملة من الأخبار التى تلقتها الأمة بالقبول ، وأودعها أئمة هذا الشأن كتبهم ، سيما إماما المحدثين: البخارى ومسلم .
وقد يبهتك ، إن كنت غيورًا على تراث هذه الأمة المتمثل في كتب علمائها ، هذا التشويه المتعمد أو الخاطئ لهذه الذخائر ، بزعم التصفية مما حوته من ضعافٍ وأباطيل ومناكير .