ولذا اخترت أن تكون هذه الموازنة بين تفسير الكشاف الزمخشري وتفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي لأسباب كثيرة منها:
أولا ـ ما كان لهما من مكانة مميزة بين كتب التفسير ، فكان كل واحد منهما يستقطب مرحلة تاريخية مستقلة من مراحل التفسير .
فأما الكشاف فقد كان خاتمة المرحلة الثانية في تاريخ التفسير وهي مرحلة موصوفة بأصالة التفكير النحوي ، وتنمية المرحلة الأولى والبناء عليها ، كما تمتاز في مجموع رجالها بأصالة المنهج اللغوي في التفسير والتطور به إلى مداه على يد خاتمتها الإمام الزمخشري ، وقد امتازت بكون أغلب رجالها هم أئمة النحو الذين كانت أقوالهم واجتهاداتهم في الدراسات النحوية هي معين رجال التفسير في المراحل اللاحقة ، وفي ذلك يقول الفاضل بن عاشور: ( وقد أتى في تفسيره ـ حقا ـ من مظاهر البراعة ، وآيات العلم الواسع ، والذوق الراسخ ، والقلم والمتمرس ما زاده إعجابا به ، بعد انتهائه منه ، إذ قال في وصفه بيتين بديعين:
إن التفاسير في الدنيا بلا عدد وليس فيها لعمري مثل كشافي
إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته فالجهل كالداء والكشاف كالشافي