ـ وإذا كانت فصول هذا البحث قد تجلى من خلالها تفوق تفسير البحر المحيط على تفسير الكشاف في أغلب الجوانب ، مع بقاء كشاف الزمخشري في الصدارة ، فإن هذا يجعلنا نميل إلى ما قاله صاحب كشف الظنون بأن سر اشتهار تفسير الكشاف هو القدر الزائد على التفسير ، وهو ما تؤكده مقالة ابن خلدون والسيوطي والزرقاني فيما سبق ذكره ، وبذلك يتجلى أن عامل الشهرة والانتشار لكتاب ما في التفسير لا يكون كافيا للحكم على حجم القيمة العلمية لذلك الكتاب في تفسير القرءان الكريم ، وذلك بعد أن امتزجت كتب التفسير بخليط كثيف من العلوم العقلية ، وصارت هذه العلوم مقصدا أساسيا من مقاصد المفسر ، بل ربما كانت صارفا لاهتمام المفسر عن النظر في جوانب العظة ومواضع العبرة من كتاب الله تعالى ، واستحوذت عليه الاستطرادات المناسبة لتلك الإشارات القرءانية التي تتصل ببعض العلوم العقلية ، فأنفق فيها جهده وسود بها أغلب صفحات كتابه ، حتى أصبح ما هو من التفسير قليلا بل نشازا إلى جانب ما هو ليس من التفسير ، ولقد قيل قديما في كتاب مفاتيح الغيب للفخر الرازي"فيه كل شيء إلا التفسير".