-قَوْلُهُ (زَادَ مَا زَادَ) : هُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ مُتَلازِمَيْنِ:
1)كُلَّمَا ازْدِادَ مِنْ عِلْمِ النُّجُوْمِ؛ ازْدَادَ مِنَ السِّحْرِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَقِيْقَتِهِ؛ وَهُوَ عِلْمُ التَّأْثِيْرِ فَيُصْبِحُ سِحْرًا وَكِهَانَةً حَقِيْقَةً.
2)كُلَّمَا ازْدِادَ مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ النُّجُوْمِ؛ ازْدِادَ فِي الإِثْمِ الحَاصِلِ.
-النَّفْثُ: هُوَ النَّفْخُ بِرِيْقٍ خَفِيْفٍ، وَهُوَ دُوْنَ التَّفْلِ.
-قَوْلُهُ (وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا؛ وُكِلَ إِلَيْهِ) : مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلَّتِيْ قَبْلَهَا هُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
1)أَنَّ النَّافِخَ فِي العُقَدِ يُرِيْدُ أَنْ يَتَوَصَّلَ بِهَذَا الشَّيْءِ إِلَى حَاجَتِهِ وَمَآرِبِهِ، فَيُوكَلُ إِلَى هَذَا الشَّيْءِ المُحَرَّمِ؛ وَهُوَ السِّحْرُ.
2)أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ إِذَا سُحِرَ عَنْ طَرِيْقِ النَّفْثِ بِالعُقَدِ ذَهَبَ إِلَى السِّحْرةِ وتَعَلَّقَ بِهِم لِيَكْشِفُوا مَا بهِم! وَتَعَلَّقُوا أَيْضًا التَّمَائِمَ! فَكَانَ فِيْهِ إِذًا الإِرْشَادُ إِلَى التَّوكلِ عَلَى اللهِ تَعَالَى الَّذِيْ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ الأَسْبَابُ كُلُّهُا، وَمِنْ ثُمَّ يَتَعَاطَى مَا جَازَ فِي الشَّرِيْعَةِ فِعْلُهُ مِنَ الأَسْبَابِ. [1]
- (العِضَةُ) : الكَذِبُ وَالبُهْتَانُ، وَ (العَضْهُ) : التَّفْرِيْقُ [2] . قَالَ فِي القَامُوْسِ المُحِيْطِ [3] : (وَالعِضَةُ: السِّحْرُ وَالكِهَانَةُ، وَالعَاضِهُ: السَّاحِرُ) . [4]
(1) وَقَدْ يَشْمَلُ الحَدِيْثُ مَنْ تَوَكَّلَ وَاعْتَمَدَ عَلَى نَفْسِهِ وَصَارَ مُعْجَبًا بِمَا يَقُوْلُ وَيَفْعَلُ، فَإِنَّهُ يُوْكَلُ إِلَى نَفْسِهِ، ويُوْكَلُ إِلَى ضَعْفٍ وَعَجْزٍ وَعَوْرَةٍ، وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ العَبْدُ دَائِمًا مُتَعَلِّقًا بِاللهِ فِي كُلِّ أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ حَتَّى فِي أَهْوَنِ الأُمُوْرِ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَعَلَّقَ بِصَنْعَةٍ مِنْ صَنْعَتِهِ أَوْ عَمَلٍ مِنْ عَمَلِهِ فَيُوْكَلُ إِلَيْهِ.
(2) العَضْهُ - بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ وَسُكُوْنِ المُعجَمَةِ - قَالَ ابْنُ الأثير رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (النِّهَايَةُ فِي غَرِيْبِ الحَدِيْثِ وَالأَثَرِ) (496/ 3) : (هَكَذَا يُرْوَى فِي كُتُبِ الحَدِيْثِ، وَالَّذِيْ فِي كُتُبِ الغَرِيْبِ(ألَا أُنَبِّئُكُم مَا العِضَةُ) بِكَسْرِ العَيْنِ وَفَتْحَ الضَّادِ).
(3) (ص1249) بِحَذْفٍ يَسِيْرٍ.
(4) وَقَالَ فِي تَاجِ العَرُوْسِ (61/ 39) : ( {الَّذِيْنَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِيْنَ} (الحِجْر:91) قَالَ الرَّاغِبُ: جَعَلوا القُرْآنَ عِضِيْنَ؛ أَيْ: مُفَرَّقًا، فَقَالُوا: كِهَانَةٌ، وَقَالُوا: أَسَاطِيْرُ الأَوَّلِيْنَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفُوْهُ بِهِ، وَقِيْلَ: مَعْنَى (عِضِيْن) مَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَتُؤْمِنُوْنَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُوْنَ بِبَعْضٍ} (البَقَرَة:85) خِلَافَ مَنْ قَالَ فِيْهِ: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّوْنَكُمْ وَتُؤْمِنُوْنَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ} (البَقَرَة:118 ) ) .
قُلْتُ: وَهُوَ صَحِيْحٌ مِنَ الوَجْهَيْنِ هُنَا، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِبَعْضٍ دُوْنَ بَعْضٍ فَقَدْ فَرَّقَ فِيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِيْنَ يَكْفُرُوْنَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيْدُوْنَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُوْلُوْنَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيْدُوْنَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيْلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُوْنَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِيْنَ عَذَابًا مُهِيْنًا} (النِّسَاء:151) .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُم كَذَّبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيْمَا جَاءَ بِهِ مِنَ القُرْآنِ؛ فَهُوَ عَلَى المَعْنَى الثَّانِي أَيْضًا صَحِيْحٌ؛ أَي: مِنَ الكَذِبِ وَالبُهْتَانِ.