-المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ) مَا هِيَ شُرُوْطُ اسْتِخْدَامِ لُعَبِ الأَطْفَالِ - ذَاتِ الرُّوْحِ -؟ [1]
قُلْتُ: لِيُعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الأَصْلَ فِي التَّصْوِيْرِ وَاقْتِنَاءِ الصُّوَرِ التَّحْرِيْمُ؛ وَأَنَّ مَا أَجَازَتْهُ الأَدِلَّةُ لَا يَعْنِي نَسْخَ التَّحْرِيْمِ وَالخُرُوْجَ مِنْ هَذَا الأَصْلِ مُطْلَقًا، بَلْ يَبْقَى الجَوَازُ مُقَيَّدًا وُفْقَ مَا جَاءَتْ بِهِ الأَدِلَّةُ، فَالتَّصْوِيْرُ كَبْيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ [2] - كَمَا سَبَقَ عَنِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ -، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيْدِ الجَوَازِ بِظُرُوْفِ النُّصُوْصِ المُبِيْحَةِ خَوْفًا مِنَ التَّوَسُّعِ الغَيْرِ مَحْمُوْدِ؛ وَالتَّفَلُّتِ مِنْ أَصْلِ التَّحْرِيْمِ.
ثُمَّ نَقُوْلُ: قَدْ جَاءَتْ أَدِلَّةُ جَوَازِ لُعَبِ الأَطْفَالِ بِالقُيُوْدِ التَّالِيَةِ - فَهْمًا وَلَيْسَتْ نَصًّا:
1)أَنْ تُحَقِّقَ مَصْلَحَةً لِلطِّفْلِ [3] :
أ) إِمَّا تَرْبَوِيَّةً وَتَعْلِيْمِيَّةً: كَبَنَاتِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَهِيَ مِمَّا يُسَاعِدُ عَلَى أُمُوْرِ الأُسْرَةِ وَمَا يُسَمَّى بِالتَّدْبِيرِ المَنْزِلِيِّ اليَوْمَ، كَمَا فِي الصَّحِيْحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ: (كُنْتُ أَلْعَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . [4] [5]
ب) أَوْ شَرْعِيَّةً: كَمَا فِي الحَدِيْثِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ قَالَتْ: (قَدِمَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوْكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ؛ فَهَبَّتْ رِيْحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ:(مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟) قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ؛ فَقَالَ: (مَا هَذَا الَّذِيْ أَرَى وَسْطَهُنَّ؟) قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: (وَمَا هَذَا الَّذِيْ عَلَيْهِ) . قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: (فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ!) . قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ) [6] ، فَهُوَ مِمَّا يُشَجِّعُ الفُرُوْسِيَّةَ وَيَبْعَثُ الهِمَّةَ عَلَى فُنُوْنِ الجِهَادِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً آنِيَّةً كَمَا فِي الفَقَرَةِ التَّالِيَةِ.
ج) أَوْ آنِيَّةً: كَتَعْوِيْدِهِم عَلَى الصَّبْرِ، حَيْثُ تُلْهِي هَذِهِ اللُّعَبُ الأَطْفَالَ بُرْهَةً مِنَ الزَّمَنِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةً مَا. [7]
فَفِي الصَّحِيْحَيْنِ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ؛ قَالَتْ: (أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَاةَ عَاشُوْرَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ:(مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ) ، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُوْمُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ؛ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُوْنَ عِنْدَ الإِفْطَارِ). [8] [9]
2)أَنْ يَكُوْنَ عَدَدُهَا وَتَنَوُّعُهَا بِقَدْرِ الحَاجَةِ وَالمَصْلَحَةِ، لِأَنَّ الأَصْلَ فِيْهَا الحُرْمَةُ. [10]
(1) وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ بِحَسْبِ مَا أَرَاهُ صَوَابًا بَعْدَ دِرَاسَتِي لَهَا، فَإِنْ أَصَبْتُ فَمِنَ اللهِ تَعَالَى، وَإِنْ أَخْطَأْتُ فَمِنْ قُصُوْرِي. وَاللهُ مِنْ وَرَاءِ القَصْدِ.
(2) وَلَا يُقَيَّدُ ذَلِكَ بِالامْتِهَانِ؛ وَإِنَّمَا الَّذِيْ قَيَّدَهُ بِالامْتِهَانِ - بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ - هُوَ المُصَوَّرُ نَفْسُهُ، وَلَيْسَ التَّصْوِيْرُ - الَّذِيْ هُوَ صُنْعُ الصُّوْرَةِ -.
(3) وَهُنَا أُوْرِدُ تَقْسِيْمَاتٍ لِلتَّمْثِيْلِ فَقَط؛ ولَيْسَتْ لِلحَصْرِ.
(4) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (6130) ، وَمُسْلِمٌ (81) .
(5) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (فَتْحُ البَارِي) (527/ 10) : (وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الحَدِيْثِ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ صُوَرِ البَنَاتِ وَاللُّعَبِ مِنْ أَجْلِ لَعِبِ البَنَاتِ بِهِنَّ، وَخُصَّ ذَلِكَ مِنْ عُمُوْمِ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الصُّوَرِ، وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ وَنَقَلَهُ عَنِ الجُمْهُوْرِ؛ وَأَنَّهُمْ أَجَازُوا بَيْعَ اللُّعَبِ لِلْبَنَاتِ لِتَدْرِيْبِهِنَّ مِنْ صِغَرِهِنَّ عَلَى أَمْرِ بُيُوْتِهِنَّ وَأَوْلَادِهِنَّ) .
(6) صَحِيْحٌ. أَبُو دَاوُدَ (4932) . صَحِيْحُ أَبِي دَاوُدَ (4932) .
(7) وَأَمَّا بَعْضُ اللُّعَبِ الَّتِيْ لَا طَائِلَ مِنْ وَرَائِهَا كَلُعْبَةِ الدُّبِّ (الأَحْمَرِ!) مَثَلًا! فَهِيَ حَتْمًا لَيْسَتْ مِنْ هَذَا البَابِ، وَإِنْ كَانَ لِلأَسَفِ كَثِيْرٌ مِمَّنْ يَقْتَنِيْهَا لَيْسوا مِنَ الصِّغَارِ سِنًّا؛ وَلَكِنَّهُم مِنَ الصِّغَارِ عَقْلًا، عَدَا عَنْ مَا فِيْهَا مِنْ مُخَالَفَةِ الفِطْرَةِ السَّلِيْمَةِ في الأُنْسِ بِالوُحُوْشِ.
(8) قُلْتُ: إِنْ أَمْكَنَ الاسْتِغْنَاءُ عَنْ لُعَبِ البَنَاتِ بِمَا يُمَاثِلُهَا مِنَ الأَلْعَابِ الَّتِيْ تُحَقِّقُ الفَائِدَةَ دُوْنَ أَنْ تَكُوْنَ صُوْرَةً فَهُوَ أَمْرٌ حَسَنٌ، كَمِثْلِ لُعَبِ أَدَوَاتِ المَطْبَخِ وَالخِيَاطَةِ وَ .... ، وَلَا بُدَّ لِلأُسْرَةِ المُسْلِمَةِ مِنَ السَّعْي بِاتَّجَاهِ ذَلِكَ، وَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُوْنَ حَدِيْثُ لُعَبِ عَائِشَةَ السَّابِقِ مَحْمُوْلًا عَلَى ظَاهِرِهِ؛ مُجَرَّدًا عَنْ مَعْنَاهُ وَفَائِدَتِهِ الَّتِيْ مِنْ أَجْلِهِ أُبِيْحَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ، وَلَا سِيَّمَا حَدِيْثُ الرُّبَيِّعِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي تَعْوِيْدِ الصِّغَارِ عَلَى الصِّيَامِ، فَهُوَ الآنَ يَتَحَقَّقُ بِكَثيْرٍ مِنَ الأَشْيَاءِ وَالأَلْعَابِ الَّتِيْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً سَابِقًا، خَاصَّةً وَأَنَّ المَقْصُوْدَ مِنْهَا مَعْقُوْلُ المَعْنَى. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(9) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1960) ، وَمُسْلِمٌ (1136) .
(10) وَلَيْسَ كَبَعْضِ بُيُوْتِ المُتْرَفِيْنَ - بَلِ الجَاهِلِيْنَ - يَجْعَلُوْنَ غُرْفَةَ الطِّفْلِ مَدِيْنَةً لِلصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيْلِ، فَهَلْ مِثْلُ هَذَا هُوَ الَّذِيْ أَبَاحَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟!