الجَوَابُ:
الحَدِيْثُ هُوَ (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ -، فَقَالَ:(أَتَدْرُوْنَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟) فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِيْ فِي يَدِهِ اليُمْنَى: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِيْنَ؛ فِيْهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيْهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا) ، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِيْ فِي شِمَالِهِ: (هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِيْنَ؛ فِيْهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ [1] ؛ فَلَا يُزَادُ فِيْهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا) ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيْمَ العَمَلُ يَا رَسُوْلَ اللهِ؛ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ - وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ -، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ - وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ -) ، ثُمَّ قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: (فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ؛ فَرِيْقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيْقٌ فِي السَّعِيْرِ) . [2]
أَمَّا الكِتَابَانِ؛ فَهُمَا تَمْثِيْلٌ وَتَقْرِيْبٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ هُمَا كِتَابَيْنِ حَقِيْقَةً [3] ، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أ- أَنَّ اللَّوْحَ المَحْفُوْظَ الَّذِيْ فِيْهِ تِلْكَ الأَسْمَاءُ هُوَ مَحْفُوْظٌ أَصْلًا مَنْ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ.
ب- أَنَّهُ لَو كَانَ المَقْصُوْدُ حَقِيْقَتَهُ؛ لَتَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنْهُمَا وَعَنْ مَصِيْرِهِمَا؛ فَشَأْنُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَخْفَيَانِ عَلَى أَحَدٍ.
ج- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبَذَهُمَا بِيَدِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُحْتَرَمَيْنِ أَصْلًا مِنْ جِهَةِ حَقِيْقَتِهِمَا. [4]
(1) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (128/ 11) : (أَجْمَلْتُ الحِسَابَ: إِذَا جَمَعْتُ آحَادَهُ وَكَمَّلْتُ أَفْرَادَهُ، أَيْ: أُحْصُوا وَجُمِعُوا؛ فَلَا يُزَادُ فِيْهِمْ وَلَا يُنْقَصُ) .
(2) صَحِيْحٌ. التِّرْمِذِيُّ (2141) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوْعًا. الصَّحِيْحَةُ (848) .
(3) وَذَهَبَ المُبَارَكْفُوْرِي رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (مِرْعَاةُ المَفَاتِيْحِ) (185/ 1) إِلَى حَقِيْقَةِ الكِتَابَينِ. قُلْتُ: وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أَوْلَى لِمَا سَتَرَى مِنْ وُجُوْهِ التَّرْجِيْحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
(4) قَالَ الشَّيْخُ الغُنَيْمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيْدِ مِنْ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ (628/ 2) : (وَهَذَانِ الكِتَابَانِ اللَّذَانِ أَخَذَهُمَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَا هُمَا الكِتَابَانِ اللَّذَانِ كَتَبَ اللهُ فِيْهِمَا أَسْمَاءَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَمْثِيْلٌ مِنْ رَسُوْلِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْرِيْبٌ إِلَى أَفْهَامِ النَّاسِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ مِمَّا سَيَكُوْنُ وَمَا يَصِيْرُ إِلَيْهِ العِبَادُ، وَكَتَبَهُ تَأْكِيْدًا لِعِلْمِهِ تَعَالَى، فَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ) .