فإذا كانوا في وعي بهذه القوانين، فكيف اتهموا القرآن هذه التهمة الباطلة؟ والموزون في القرآن جاء عفوًا ولا يمثل ظاهرة على الإطلاق. شغلني هذا السؤال لِمَ قال العرب ذلك؟ في تصوُّري أنهم لم يقولوه إلا وعندهم وعي ما بأنه من الممكن التعبير عن الشعرية بطريقة ما بعيدة عن قيود الوزن والقافية، هم يعرفون قيود الوزن والقافية، فإذا قالوا عن القرآن شعر فلابد أن يكون عندهم هذا الإحساس، إحساس بإمكانية التعبير عن الشعر بطريقة بعيدة عن الوزن والقافية. هذا الذي شغلني جعلني أتابع مقولات القدماء هل كان عند القدماء إحساس ما بإمكانية تداخل جنسين متميزين هما الشعر والنثر، هناك مقولات منتشرة في مجموعة الكتب التراثية تؤكّد هذه الإمكانية - كل هذا لكي أصل إلى أن المصطلح شرعي - هناك مقولات منتشرة وجدت بدايةً ابنَ طباطبا العلوي يؤكد أن الرسائل شعر معقود والشعر رسائل معقودة ، كما قال:"إن الشاعر إذا أراد أن يمخض المعنى شعرًا مخضه أولًا نثرًا ثم صاغه شعرًا". ثم وجدت أبا حيان التوحيدي يقول صراحةً"إن في النثر شعرًا من وجه، وفي الشعر نثرًا من وجه، ولولا هذا ما طاب ولا استحسن". ثم جاء السيوطي ليؤكد هذا التداخل بقوله: إن النثر إذا اشتد انسجامه جاء موَقَّعا برغم أنه غير موزون". كل هذه المقولات، وغيرها كثير، تؤكد إمكانية تداخل جنسين، وهذا التداخل يقتضي أن يتناول كل جنس عن بعض خواصه الفارقة؛ لكي يتمكَّنَ كل منهما من الالتقاء بالجنس الآخر في منطقة وسطى أو منطقة مُحايدة. كل هذا بعيد عن قضية الوزن والقافية. هذه هي المرحلة الأولى التي شغلتني بالنسبة للمصطلح."