... حين يفعل القارئ ذلك سوف يشعر لأول وهلة بتفاوتِ النغمِ من كلمة إلى أخرى، وبين كلِّ فقرةٍ وجارتِها، تفاوتًا، وهو ما لا يبلغه إلاّ عن طريق الأذن، لأن العينَ تقع على الكلماتِ بمستوى واحدٍ، وكلما تأنّينا في هذه القراءة، أدركنا الإيقاعَ في عمقٍ ودقة. وربما لهذا استخدمَ العربُ في التعبيرِ عن الإبداعِ الشعري لفظَ"أنشد"، وهو يعني المجاهرةَ بالقول. وسوف يشعرُ أيضًا بمستوى الإيقاعِ ليّنًا أو خشنًا، خفيفًا أو حادًّا، وحركاتُ الفمِ عندما ينشدُ ترتبطُ نفسيًّا مع الأذنِ عادة. وإذا ركزنا اهتمامَنا فيما تعبر عنه، عندما تتكوّن، فإنها تساعدنا على أن نسترجع في السمع الأصواتَ التي تشتركُ في كلِّ مستوى منها.
... يحدث أحيانًا مع المحاولاتِ الأولى، أَن الجُهدَ الذى نبذلُه في النطقِ، وملاحظةِ حركاتِ الفم، تَشغلُنا شيئًا عن معنى ما نقرأ، لكن مع المرانِ يصبحُ الأمرُ عادةً، وتجيء الإفادةُ من الإنشاد عفوًا وآليًّا.
... تحتاج تربيةُ السمعِ إلى كثيرٍ من القراءات الجيدة، بصوتٍ مرتفع، أصرُّ على صفة جيدة، لأن الذين يحسنون قراءة الشعر مضبوطًا، في دقة، ويقفون على أسراره الصوتية قلة، وأحسبُ أن العداء السائد بين عدد كبير من الشعراء الشبان، وبعضِ النقاد، لكل شعر عربي حق، مرده أنهم لا يفهمونه، ولا يتذوقونه، لأنهم لا يحسنونَ قراءَته.
ثمة أمران يجب أن يتحققا في قراءةِ الشعرِ على نحوٍ جيد: الإحساس بإعطاء كل بيت قيمته الحقيقية، وتنمية هذا الإحساس، وصوتٌ قادر على تصوير هذه القيمة، وإذا امتلكَ الشاعرُ مبدعُ القصيدة، هذه الوسيلة، فهو أفضل من يقوم بإنشاد شعره، ويجيء بعدَه الذين يملكونها من غيره.