فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 38

ثمة فرصٌ كثيرة، لم نستغلها بعد، في عصرِنا، تتيحُ لنا أن نسمَع الشعراءَ ينشدون قصائدَهم، إذا كانوا يملكون موهبةَ الإنشاد، من خلالِ الأسطوانات أو شرائطِ التسجيل، أو الإذاعة، منطوقة ومرئية، وفي هذه الحالةِ فإن الشاعرَ المنشدَ يضيفُ الكثيرَ بإلقائه إلى الكلمات التي أبدعها من قبل، بالقراءة الجادةِ لكلِّ إيقاع، المميزةِ لكلِّ نغم. ومن خلال تلوين طبقات الصوت وهو يقرأ، سوف تدركُ أن الإلقاء الجيد يلعب دورًا هامًّا في تجسيم الفكرة، وإعطاء الصورة بعدًا ثالثًا.

بهذا تصبحُ القصيدةُ أكثر قربًا منا، والشاعرُ أشدَّ ألفة، ونحن معها أقوى تجاوبًا. وإلى جانب الشعراء أنفسهم، وليسوا جميعًا بقادرين على إنشاد قصائدهم، وإعطائها الإيقاعَ الذي تتطلبه أبياتُها وصورُها ومعانيها، هناك من الأدباء من اشتهروا بالقدرة على الإنشاد لغيرهم، في المحافل والمنتديات والإذاعة، وغيرها، في صفاءٍ وعذوبة، وكان أبرزهم حافظ إبراهيم في إلقاء شعره، ومحمدُ توفيق دياب، وأستاذُنا محمد خلف الله أحمد في الإنشاد لغيرهم، وبين معاصرينا الآن كوكبةٌ لا بأس بها من الشعراء، أو غيرهم، تنشدُ الشعر على نحو يجذبُ ويفتن، وبقدرِ اقترابِ المنشدِ من هذه النماذجِ يمكن أن يقال إنه يقرأ الشعرَ جيدًا أو رديئًا.

لكن الاهتمامَ بالقراءةِ وحده لا يكفي لتربيةِ الأذن، وإنما علينا أن نُحْسِنَ الاستماعَ في ذكاءٍ أيضًا، لأن الإيقاعَ في الشعرِ يتركب في كثير من الأحوالِ من مجموعةٍ مؤتلفة، ومعقدة، من وحداتٍ نَغَمية، ومن لم يتعود سمعه على أن يهجس بها سريعًا، وأن يتعرف عليها عندما تحدث، فإنه لا يستطيع أن يستوعبها كاملةً، مثل ما يحدث لمستمع الموسيقا غير المدرب، تفلت منه الظلالُ الشفيفةُ في اللحن، ويكتفي كُلُّ واحدٍ منهما، مستمع الشعر ومستمعُ الموسيقا بالخطوط العامة فحسب لأيَّةِ قصيدة أو مقطوعة موسيقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت