فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 38

بقي أن أشير إلى أن السامع لا يهجس عادة، ولا يتعرفُ إلى ما يسمعُ بداهةً، إلاّ من خلال معرفة جيدة بعلم العروض والقوافي، والتمكن من صوتيات اللغة، وقواعدِ النحوِ والصرف، لأن تحليلَ إيقاعِ كلِّ بيتٍ في قصيدته، وردَّهُ إلى العناصر والوحدات التي يتألف منها من التفعيلات، وما يلحقُه من الزحافات والعلل، هو ما يهذب سمعنا، ويتيح له مع التدريب أن يميز - بمجرد السماع - بين تفعيلات قصيدة وأخرى، وأن يدرك التغييرات التي أدخلها الشاعر من زحافاتٍ وعلل.

تصبح دراسة العروض مجدية إذا تمت في ضوء شرطين: أن تكون وسيلة لتحقيق غرض، وليست غاية في ذاتها، وإذا درسنا هذه القواعد جيدًا بوعي. ليس القصد منها أن يعرف الدارس البيت عروضيًّا، ومعرفة البحر الذي جاءت القصيدة فيه، لأن مثل هذه الغاية إذا اتخذناها هدفًا لا تساوي في قيمتها أكثر مما يساويه حلُّ الكلماتِ المتقاطعة في الصحف والمجلات. نعم، من المهم في المرحلة الأولى أن نُعنى بمصطلحات العلم، وأن نتعرف إلى البحور وقواعد القافية، ولكن الغرض من الدراسة لا يتحقق إلا حين تستطيع الأذن، إلى جانب التركيز الذكي، أن تقوم بكل هذا في سرعة ودقة، وأن تتعرف آليًّا إلى الوحداتِ النَغَمية، عن طريق التمكن من معرفة البحور، وما يدخلها من زحافات وعلل.

وهذه المرحلة من التذوق والتدريب تنهض على مبدأ"خذ وهات"، علينا أن نسمع طويلًا وكثيرًا، ومن لا يسمع لا شيء لديه يقيس عليه، ومهمة علم العروض أن يوقظَ فينا، بعد أن نسمع ونتدرب، الإحساس بالأنغام الرفيعة، وأن ينمي في آذاننا القدرة الجيدة على التمييز بين الإيقاعات المختلفة، فنتعرفُ إلى ألوان منها لولا التدريبُ يمكن أن تفلت، وأن تمرّ دون أن نعي بأن وراءها شيئًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت