وكان الدرس النحوي التقليدي أوضح ما في النشاط اللغوي، ولم تكن الهزّة التي أحدثها ابن مضاء القرطبي في القرن السادس الهجري قد أحدثت أثرها، لأن كتابه"الردّ على النحاة"ظل مطمورًا حتى حققه الدكتور شوقي ضيف سنة 1947م، فظل الدرس النحوي على مألوف أمره في الدوران في تلك الدائرة المغلقة، ولكن ثورة 1919م لم تكن ثورة في المجال السياسي فحسب، بل إنها حركت المياه الآسنة في المجال الثقافي، والأدبي، والنقديّ، والنحويّ، ففي سنة 1921م ظهر كتاب"الديوان"للعقاد والمازني يحاول إرساء مفهوم جديد للشعر، ويهز كثيرًا من المسلمات، وفي سنة 1927 كتاب"في الشعر الجاهلي"لطه حسين، يحاول تأسيس منهج جديد في نقد النصوص، وأثار غبارًا كثيفًا لم تنجل آثاره حتى اليوم . وبعدهما بسنوات ظهر كتاب"إحياء النحو"لإبراهيم مصطفى الذي كان يطمع ـ على حد قوله ـ أن يغير منهج البحث النحويّ للغة العربية، وأن يرفع عن المتعلمين إصر هذا النحو، ويبدّلهم منه أصولًا سهلة يسيرة تقربهم من العربية وتهديهم إلى خط من الفقه بأساليبها (1) .
وكان النحو في هذه الفترة ـ كما يصوره طه حسين في مقدمة كتاب إحياء النحو ـ هو العلم العويص الملتوي، والناس يضيقون به، ويتبرمون بحديثه، ويقول:"ضقنا بأصوله القديمة منذ عهد الأزهر، وأخذنا ننكر هذه الأصول أيام الجامعة القديمة، وأخذنا نلتمس له أصولًا جديدة منذ التقينا في الجامعة الجديدة، وذلك لأن الأجيال السالفة لم تكن غيرت من أمر النحو شيئًا اللهمّ إلا الاختصار أحيانًا والتحشية في كثير من الأحيان ."
وقد أثارت دعوة إبراهيم مصطفى أيضًا نقاشًا كثيرًا بما دعت إليه من إلغاء العامل النحوي الذي دعا ابن مضاء إليه من قبل، وتفسيره العلامات الإعرابية تفسيرًا يغاير المعهود من أمرها في النحو.
(1) انظر إحياء النحو ص: أ