* وتوالت مظاهر التشجيع الأنيسيّ لي بعد تخرجي. فلم أكد أحصل على الليسانس حتى رشحني مع زميلي الدكتور محمود الربيعي لأتفرغ للدراسات العليا بمكافأة تعادل مرتب المعيد في ذلك الوقت (ومن المفارقات أن هذه المكافأة ومقدارها خمسة وعشرون جنيهًا ما تزال هي مكافأة الباحث المتفرغ في الجامعات المصرية حتى الآن أي بعد أكثر من أربعين عامًا) .
* ثم جاءت النصيحة الذهبية حينما طلبت من الأستاذ أن يوجهني في قراراتي فقال لي حكمته المشهورة: اذهب إلى المكتبة واقرأ لمدة عام كل ما يصادفك أو يلفت نظرك. وفتش بين رفوفها وقلب في فهارسها وتصفح ما يعجبك منها وألمّ بالمكتبة اللغوية من خلال المعايشة والممارسة العملية ثم ائتني بعد أن يكون قد استقام عودك. وبالإضافة إلى هذا فقد أشركني أنا وزميلي محمود الربيعي في فهرسة ما يخص كلاًّ منا من مراجع ومصادر في مكتبة الكلية فاتسعت دائرة معرفتنا وتنوعت.
* ثم ازدادت صلتي بالمرحوم الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس بعد ذلك وتعمقت جذور العلاقة بيننا:
* فعينت معيدًا أثناء عمادته للكلية.
* وسجلت رسالتي للماجستير تحت إشرافه، وهو المقل في إشرافه على الطلاب إذ لم يشرف إلا على ثلاثة من دار العلوم هم: عبد العزيز مطر، وعبد الصبور شاهين، وأحمد مختار.
* وحين تقدمت بكتابي الأول للهيئة العامة للكتاب، وكان موضوعه"تاريخ اللغة العربية في مصر"أحيل الكتاب إليه، وبفضل تقريره تم نشر الكتاب عام 1969م.
* وحين تقدمت لمجمع اللغة العربية لتحقيق معجم ديوان الأدب وصدرت موافقته تولى الأستاذ المرحوم مهمة مراجعة التحقيق، وكان فخرًا للتلميذ أن يوضع اسم الأستاذ إلى جانب اسمه.
* وقد كان من أهم ما تعلمته من طريقة الأستاذ: الهدف والدقة، والتواضع العلمي، والإيجاز في التعبير، والوصول إلى الهدف بأقصر عبارة مع استخدام الأسلوب العلمي المركز. وما تزال هذه الصفة ملازمة لي في كل أعمالي.