بالأمس فقط كنا في المجلس الأعلى للثقافة نفتتح ندوة بمناسبة مرور مئة عام على وفاة ورحيل رب السيف والقلم محمود سامي البارودي باعث النهضة الأدبية في مصر والشرق العربي، ويكفي أن يعيد أي قارئ، رجلًا كان أو أمراة، قراءة قصائد البارودي لكي يستمد منها روحية هائلة وقدرة عظيمة على مواجهة حالات الإحباط والهوان التي نستشعرها عندما نتبيَّن عجزنا وعجز نُظُمِنا وحكوماتنا وساداتنا وأمرائنا عن أن يثبتوا حقهم ويؤكِّدوا هُويَّتَهُم ويُصرحوا بمواقفهم، وأن يمثلوا العصَبَ الحيَّ لهذه الأمة في مقاومتها للقوى الطاغية التي كانت دائمًا تأتمر بها، وكانت دائمًا تريد أن تسحقها. في الحقيقة قراءة ديوان مثل ديوان البارودي وحده كفيلة حقًّا بأن تجعلنا نستطيع أن نطفو على سطح التاريخ، وأن نتجاوز لحظة اليأس، وأن نستشعر كل عصارة الهمة والإباء والنخوة في نسق هذه اللغة، في تاريخها، وفي ذاكرتها، لكي نخرج من هذه التجربة ونحن أكثر صمودًا أمام المِحَن، وأكثر تأبِّيًا على الانكسار والظلم، وهذا هو الدور الحقيقي للأدب في بعث الروح الوطنيَّة والقومية. ربما يكون الشعر في الآونة الأخيرة قد تخلّى عن بعض وظائفه التي قام بها عبر عصور طويلة في التاريخ العربي، فقد كان الشعر - وهو ديوان العرب - يمثل ما تقوم به الآن أجهزة الإعلام كاملة: المقروءة، والمرئية، والمسموعة. كان الشاعر جهاز إعلام متحركًا، هو الذي يذيع الفضائل، وهو الذي يُندِّد بالأعداء، وهو الذي ينشر الأمجاد، وهو الذي يكوِّن الرأي العام، وهو الذي يُحرك دفة القيادة الفكرية للمجتمع الذي يعيش فيه. واليوم تقاسمت هذه الوظائف المتعددة أجهزة إعلامية عديدة، لكن ما زال الأدب - والشعر بوجهٍ خاص - قادرًا على أن يُحرّك الكوامن، وعلى أن يبعث فينا كثيرًا من الاعتزاز بالروح، وكثيرًا من قوة الصمود، وكثيرًا من التأبِّي على الخذلان. قد يشارك الشعر الآن غيرُه من الفنون القولية والبصرية،