نحن الآن في العالم العربي نعيش في محنة شديدة، بل في محنة مزدوجة، لقد مرت فكرة القومية العربية أو الوطن العربي الكبير بمراحل متعددة، ابتداءً من الأربعينيّات، ولا سيَّما الفترة التي كانت قرب انتهاء الحرب العالمية الثانية، فقد بدأت فكرة الجامعة العربية، وهي فكرة أيدتها بريطانيا لا من أجل سواد عيوننا نحن العرب، وإنما من أجل مصالح لها، ولكن على كل حالٍ بدأت هذه الفكرة بسبع دول عربية، وبدأت تتقدم فكرة التجمع العربي، ثم أتت بعد ذلك ثورة 23 يوليو، وأصبح جمال عبد الناصر رمزًا للقومية العربية، وبدأ هذا المشروع الكبير الذي كان حُلمًا، وكنا في هذا الوقت شبابًا من الطلبة، كنا نتوقع أن هذا الموعد (موعد توحُّد العالم العربيّ) سيكون قريبًا جدًّا. وسارت هذه الفكرة قُدُمًا، وترتب عليها استقلال بقية الدول العربية، بل امتد ذلك إلى استقلال كثير من البلاد الإفريقية والأسيوية، وبدا لنا أن هذا الحلم قريب لولا هذه المؤامرات الاستعمارية التي رأيناها، ولولا العدوان على مصر الذي أعادنا إلى الوراء - وما زلنا نمضي قُدُمًا إلى الوراء - لتحقق الحلم. أما الآن فالمصيبة أكبر، فقد صار لدينا جرحان عميقان غائران، جرح فلسطين وجرح العراق، وفي الحقيقة جرح العراق يؤلمنا أكثر؛ ذلك لأن بغداد كما وصفها الدكتور صلاح فضل، هي التي كانت عاصمة الدولة الإسلامية، ولا أقول إمبراطورية كما قال سيادته؛ لأن كلمة إمبراطورية مُنَفِّرة إلى حَدٍّ ما، كانت بغداد عاصمة دولة تقوم على وحدة الثقافة ووحدة الأدب ووحدة اللغة قبل أن تقوم على السياسة، ونحن نعرف أن الخليفة العباسيّ لم تعد له سلطة بعد قرن واحد من قيام الدولة العباسية. فقد أصبحت سلطته شكلية، ولكن مع ذلك كان هذا العالم مترابطًا من الناحية الثقافية، ومن الناحية الأدبية، ونحن ما زلنا حتى الآن نجد أن الثقافة هي التي توحد بين أجزاء هذا العالم والسياسة هي التي تفرق. حينما ننظر إلى