وإذا كان ذلك مما يرجى من المتعلم فإنه مرجو من معلمه أكثر وأكمل ، كي يكون القدوة الحية والأنموذج الرفيع لما يلقنه لطلابه من القيم والمبادئ ومكارم الأخلاق ؛ حتى لا يقع الطالب في تناقضات خطيرة، فيختلط عليه الأمر وتلتبس عليه الحقائق والمفاهيم فلا يستطيع التمييز بين الزائف والصحيح ، والحق والباطل ، وربما وقع في براثن النفاق الاجتماعي دون أن يشعر.
قال عُتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده عبد الصمد: (( ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك بني إصلاحُك نفسَك؛ فإن أعينهم معقودةٌ بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيحُ عندهم ما استقبحت، علِّمهم كتاب الله ، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه ، ثم روهم من الشعر أعفه ، ومن الحديث أشرفه ... ) ) (1) ، إلى آخر هذه الوصية الرائدة تربويا .
ولست في هذا التمهيد محتاجًا إلى مزيد بيان لأهمية القدوة ، وأن المعلم قدوة أراد ذلك أم لم يرده ، ولذلك فإن مما أردت التأكيد عليه هو أن جمعيات تحفيظ القرآن الكريم تنفق سنويًا ملايين الريالات على تحفيظ الطلاب ، وتأهيل المعلمين علميًا ، بينما لا تزال عمليات تأهيل المعلمين تربويًا متأخرة جدًا ، ولا تنال النصيب الأوفر ، ولذلك فإن المخرجات تتسم في كثير من مناطق المملكة بكثرة الطلاب ، وقلة الحفاظ إلا من خلال الدورات المكثفة التي تحتاج إلى دراسة جدوى أيضًا ، ثم إن شخصية طالب التحفيظ تحتاج إلى صقل خاص ؛ لأنه حين يتخرج ويحفظ كتاب الله ، دون أن يعتنى بسلوكه ، أو يتربى في محضن يتسم معلمه بالقسوة والشدة ، فإنه ربما ورث هذه القسوة، وورَّثها غيره.
(1) البيان والتبيين للجاحظ ، 2/73، مكتبة الخانجي بالقاهرة .