الصفحة 16 من 85

مُتَلَبِّسَةً بِشِدَّةٍ؛ إلاَّ وَوَدِدْتُ بَعْدَها أَنَّنِي قَلْتُ أَلْيَنَ مِنْها، وما اخْتَرْتُ الكَلِمَةَ الليِّنَةَ فِي مَوْضِعٍ إلاَّ وحَمِدْتُ مَغَبَّتَها مِنْ بَعْدُ حَمْدًا يَنْشَرُحُ لَهُ صَدْرِي، فَأجابَنِي الشيْخُ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ عَنِ كَبيرٍ مِن أجِلَّةِ العُلَماءِ المُحَدِّثِينَ أَنَّهُ كانَ يَقُول: ما هَمَمْتُ بِكِتابَةِ كَلِمَةٍ إلاَّ وذكَرْتُ عَنْدَها قَوْلَ اللهِ تَعالَى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ؛ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَهَذا أَحْسَنُ ما تَقْدِرُ عَلَيْه؟، ثُمَّ أعْدِلُ عَما كَتَبْتُ إلَى ما هُوَ خَيرٌ مِنه. انتهى.

قُلْتُ: صَدَقَ رَحِمَهُ اللهُ؛ فانْظُرْ إلَى آثارِ الإعراضِ عَن هَذا الأمْرِ الربانِي فِي حَياةِ أهْلِ الإسلام!؛ وهُوُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تعالَى فِي تَتِمَّةِ الآيَةِ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} .

ثَالِثا: ومِنَ {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ؛ التِي أُمِرْنا بِهَا أنْ نَحْمِلَ قَوْلَ المُسْلِمِ وفِعْلَهُ عَلَى أَحْسَنِ الوُجُوهِ، وأَفْضَلِ المَحامِل، خاصَّةً إنْ كانَ القَوْلُ أو الفِعْلُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الجَرْحَ، فَإنَّ الأصْلَ فِي المُسْلِمِ الحُرْمَةُ؛ دُمُهُ ومالُهُ وعِرْضُهُ!؛ والجَرْحُ إنَّما هُوَ للضَّرُورَةِ صِيانَةً لِحَقِّ الشرْع، ومَهْما انْدَفَعَتْ الضرُورَةُ بالأقَلِّ مِن الجَرْحِ لَمْ يَجُز العَدُولُ إلَى الأَعْلَى مِنْهُ، لِبَقائِهِ عَلَى أَصْلِ الحُرْمَةِ، وكُلَّما كانَ مَوْضِعُ الجَرْحِ أَشدَّ خَطَرًا تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الجارِحُ أشد حَذرا.

وفِي مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ الشافِعِيّ 1/ 200): وَلاَ يَقْبَلُهُ (الجَرْحَ) مِنْ فَقِيهٍ دَيِّنٍ عَاقِلٍ إِلاّ بِأَنْ يَقْفَهَ عَلَى مَا يَجْرَحُهُ بِهِ، فَإِنَّ النّاسَ يَتَبَايَنُونَ فِي الأَهْواءِ؛ فَيَشْهَدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بُالكُفْرِ وَالفِسْقِ بِالتّاوِيلِ، وُهُوَ بِالْجَرْحِ عِنْدَهُمْ أَوْلَى ... . انتهى.

والجَرْحُ بالكُفْرِ أَعْظَمُ هَذا كُلِّهِ؛ ولِذا وَرَدَ الوَعِيدُ الشديدُ عَلَيْهِ؛ كَما فِي الصحيحَيْنِ مِن حَديثِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمما مَرْفوعا: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ فِإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلاَّ رَجَعَتْ عَلَيْهِ، وفِيهما أيضًا مِن حَديثِ ثابِتِ بِن الضحاكِ: وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ. وهَذا وَعِيدٌ شَدِيدٌ؛ لِما عُلِمَ مِن تَغْلِيظِ الشارِعِ فِي قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا؛ حَتَّى صارَ ذلكَ مِن المَعْلُومِ مِن الدينِ بالضَّرُورَة.

وفِي عِباراتِ الأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَايِيدٌ لِهَذا المَعْنَى:

مِنْها: ما فِي حاشَيَةِ الدرِّ المُختار: لَوْ وُجِدَ سَبْعُونَ رِوَايةً مُتَّفِقَةٌ عَلَى تَكْفِيرِ المُؤْمِنِ، وَرِوَايَةٌ وَلَوْ ضَعِيفَةٌ بِعَدَمِهِ يَاخُذُ المُفْتِي وَالقَاضِي بِها دُونَ غَيْرِهَا. وهُو فِي (الخُلاصَةِ) و (البَزّازِيَّةِ) من كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ، وذكَرَ نَحْوَهُ فِي فَتْحِ القَدير؛ وقالَ قَبلَه: وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُحْتَاطَ فِي عَدَمِ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِ، وزادَ فِي دُرَرِ الحُكامِ شَرْحِ غُرَرِ الأحْكام تَعْلِيقًا علَى قَوْلِ المَتْنِ: يَمْيلُ العَالِمُ إلَى ما يَمْنَعُ التكْفِير: أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِمَا قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الظَّهِيرِيَّةِ: عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَمِيلَ إلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالْمُؤْمِنِ.

ومِنها: وَهوُفِي الحاشِيَةِ أيضا: وَمَا يُشَكُّ أَنَّه رِدَّةٌ لاَ يُحْكَمُ بِها، إِذِ الإِسْلامُ الثابِتُ لاَ يَزُولُ بِالشَّكِّ مَعَ أَنَّ الإسْلاَمَ يَعْلُو، وَيَنْبَغِي للعِالِمِ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ هَذَا أَنْ لاَ يُبَادِرَ بِتَكْفِيرِ أَهْلِ الإِسْلامِ؛ مَعَ أَنَّهُ يَقْضِي بِصِحَّة إِسْلاَمِ المُكْرَهِ.

ومِنْها: مَافِي الفَتَاوَى الصُّغْرَى مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ أَيْضًا: الكُفْرُ شَيْئٌ عَظِيمٌ، فَلاَ أَجْعَلُ المُؤْمِنَ كَافِرًا مَتَى وَجَدْتُ رِوَايَةً أَنَّهُ لا يَكْفُرُ. انتهى.

ومِنْها: مَا فِي الّتَتارخَانِيَّةِ: لاَ يُكَفَّرُ بِالْمُحْتَمَلِ، لأَنَّ الكُفْرَ نِهَايَةٌ فِي العُقُوبَةِ فَيَسْتَدْعِي نِهَايَةً فِي الْجِنَايَةِ، وَمَعَ الاحْتِمَالِ لاَ نِهَايَةَ. انتهى.

وَمِنْهَا: مَا فِي حاشِيَةِ الدرِّ عَنِ البَحْرِ مُخْتَصَرًا: وَالّذِي تَحَرَّرَ أَنَّهُ لاَ يُفْتَي بِكُفْرِ مُسْلِمٍ أَمْكَنَ حَمْلُ كَلاَمِهِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ، أَوْ كَانَ فِي كُفْرِهِ اخْتِلاَفٌ؛ وَلَوْ رِوَايَةً ضَعِيفَةً، فَعَلَى هَذَا فَأَكْثَرُ أَلْفَاظِ التَّكْفِيرِ الْمَذْكُورَةِ لاَ يُفْتَي بِالتَّكْفِيرِ فِيهَا، وَقَدْ أَلْزَمْتُ نَفْسِي أَنْ لاَ أُفْتِي بِشَيْئٍ مِنْهَا. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت