الصفحة 71 من 85

بسمِ اللهِ الرحمن الرحيم.

رَسائلُ الثغُور:

الرسالَةُ الثامِنَة: {وَتَاللهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} .

(رِسالَةٌ مُهِمَّةٌ فِي الأُصولِ الجامِعَةِ للحَذَرِ مِن كَيْدِ الأعْداءِ)

الحَمْدُ للهِ؛ والصلاة والسلامُ علَى رَسولِهِ الكريمِ؛ أما بعد:

فَإنّ الوقُوفَ عَلَى الأُصُولِ والقَواعِدِ الكُلِّيَّةِ التِي يُصانُ بِها جَنابُ الشْرعِ وتُحْفَظُ بِها حَوزَةُ الإسلامِ والمُسْلِمينَ مِن الضرُوراتِ التِي لا بَقاءَ للأُمَّةِ إِلاَّ بِها، لأَنَّها جارِيَةٌ وَفْقَ سُنَّةِ التدافُعِ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ، وهِيَ سُنَّةٌ تَوافَقَ فِيها الشرْعُ والقَدَر، وأعْنِي أنَّ الأُمَمَ تَشْتَرِكُ فِي بِناءِ سِياساتِها عَلَيْها، كَما أَنَّ الشْرعَ أمَرَ المُسْلمِينَ بِها؛ وذلكَ شَأنُهُ فِي كُلِّ ما يَأمُرُ بِهِ ويَنْهَى عَنْه، ولِذا نَبَّهْنا عَلَى أنَّ المُرادَ هُوَ الوُقُوفُ علَى الأُصولِ العامَّةِ والقَواعِدِ الجامِعَةِ لِذلكَ، وهذا الذِي نُحاوِلُ تَوْجِيهَ الأَنْظارِ إلَيْهِ دائِمًا فِي كِتابَاتِنا ورَسائلِنا، لأَنَّ الوُقُوفَ علَى الأُصُولِ والكُلِّياتِ يُوَفِّرُ كَثِيرًا مِن الجُهْدِ والوَقْتِ؛ ويَقِي الأُمَّةَ مِن شَتاتِ الأفْكارِ وضَعْفِ المَفاهِيم، وهُوَ وإنْ كانَ أَمْرًا لا يَقْدِرُ علَيهِ سِوَى أفْذاذٍ من الرِّجَالِ؛ إِلاَّ أَنَّهُ مِن السُّنَنِ الكَونِيَّة ِالقَدَرِيةِ أيْضًا أنَّ اللهَ تعالَى جَعَلَ الخَلْقَ علَى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ مُتَبايِنَةٍ فٍي العُقُولِ والمَواهِبِ؛ والمِنَحِ والعَطايا، فالناسُ مَتْبُوعٌ وتابِعٌ، ورَئِيسٌ ومَرْؤُوس، ثُمَّ إنَّ المُتْبُوعِينَ فِي العادَةِ نَزْرٌ يَسيرٌ مِن البَشَرِ!؛ وغالِبُ الناسِ بِمَعْزِلٍ عَن ذلكَ، لأَنَّ رِئاسَةَ الناسِ تَحْتاجُ إلَى عِلْمٍ وقُدْرَةٍ وسِياسَةٍ لا تَتَوَفَّرُ لِكُلِّ أحَدٍ، وهَؤلاءِ لَهُمْ أَثَرٌ عَلى الأتْباعِ لا يُنْكَرُ؛ إنْ خَيرًا فَخَيرٌ؛ وإنْ شَرًّا فَشَر!، فاحْفَظْ هَذهِ الجُمْلَةَ؛ فَإنَّها تُوقِفُكَ عَلى أَصْلٍ كُلِّيٍّ جامِعٍ تَعْرِفُ مَعَهُ الذِي لَكَ مِنْ بَذْلِ الدَّعْوَةِ إلَى عِلْيَةِ القَومِ وأكابِرِ الناسِ واكْتِسابِهِمْ أَنْصارًا وأعْوانًا، والذِي عَلَيْكَ مِنْ مُعالَجَةِ كَيْدِ العَدُوِّ بِمِثْلِهِ، ومُقابَلَةِ حِيلَتِهِ بأحْيَلَ مِنْها.

وهَذا الذِي نَتَحَدَّثُ عَنْهُ أَمْرٌ؛ وتَعْلِيمُ العامَّةِ وتَحْذِيرُهمْ مِن مَخاطِرِ ما يُرادُ بِهِمْ؛ ونَهْيُهُمْ عَنْ مُواقَعَةِ ما يُسْتَدْرَجُونَ إلَيْهِ مِنَ المَزالِقِ والآثامِ التِي تُوهِي دَعائِمَ الأمَّةِ وَتُقَوِّضُ أَرْكانَها أمْرٌ آخَرُ، والنِّسْبَةُ بَيْنَهُما نِسْبَةُ الكُلِّياتِ إلَى الجُزْئِياتِ، والواجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ المَرْتَبَتَينِ؛ فإنَّ لكِلِّ مَرْتَبَةٍ أَهْلَها، فالذِي يُخاطَبُ بالأُولَى هُمُ الخاصَّةُ مِن المُسْلِمينَ؛ وهُمُ العُلَماءُ والاُمَراء، وَ كلُّ مَن آنَسَ فِي نَفْسِهِ مِن هَذينِ الصنْفَيْنِ قُدْرَةً علَى ذلكَ فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَيهِ لا يَسَعُهُ تَرْكُهُ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ يُمْكِنُ دَرْءُ الخَطَرِ عنِ الأُمَّةِ إلاَّ بِذلك، وأَهْلُ المَرْتَبَةِ الثانِيَةِ هُم العامَّةُ من المُسْلِمين.

ولَئِنْ كانَ يَكْفِي العامِيَّ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أعْداءَ الإسْلامِ من اليَهُودِ والنصارَى والمَجُوسِ وغَيْرِهِم ما فَتِئُوا يَكِيدُونَ للإسْلامِ وأهْلِهِ؛ فَإنَّ ذلكَ لا يَكْفِي أكابِرَ الناسِ وأهْلَ الحَلِّ والعَقْدِ مِن المُسْلِمينَ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الوقوفِ عَلى خَبايا الكيدِ وخَفاياه؛ وصُنُوفِهِ وألْوانِهِ؛ ومَعْرِفَةِ أسْبابِهِ وَغايَاتِهِ، وذلكَ لا يَتِمُّ إلاَّ بِتَنَوُّعٍ فِي الثَّقافِةِ والمَعْرِفَةِ؛ ومُعاصَرَةٍ للحَوادِثِ والوقائِعِ؛ وتَمْيِيزٍ بَيْنَ مالَهُ أَثَرٌ مِن ذلكَ عَلَى السياساتِ المُتَبايِنَةِ والمَصالِحِ المُخْتَلَفِةِ وما لا أَثَرَ لَهُ، ومِن تَراجِمِ أبِي داودَ رحِمَهُ اللهُ فِي السنَنِ: بابُ المَكْرِ فِي الحَرْب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت