بِسم الله الرحمن الرحيم
الرسالَةُ الرابِعةُ:
فَلْسَفَةُ الجِهاد فِي الإسْلامِ.
(الفَلْسَفَة: عِلْمُ حقائِقِ الأشْياءِ؛ والعَمَلُ بِما هُو أصْلَح)
الحَمْدُ للهِ؛ أولًا وآخرًا؛ والصلاةُ والسلامُ علَى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ وتابِعِيهِمْ بإحْسانٍ؛ أما بعْد:
فَقَدِ اخْتَرْتُ هَذا العُنْوانَ لِرِسالَتِي هَذهِ لأَنَّنِي أَرَدْتُ بِهِ مُخاطَبَةَ المُسْلِمِينَ الذِينَ اشْتَبَهَ علَيْهُمُ أَمْرُ الجِهادِ فِي الإسْلامِ؛ أوِ المُتَأَثِّرِينِ بالعَقْلِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ، أوّلًا، وغَيرِهِمْ مِن عُقَلاءِ الأُمَمِ الأُخْرى ثانِيًا، فِي الوَقْتِ الذي كُثُرَ الحَدِيثُ فِيهِ عَن الإسلامِ ومَبادِئِهِ وأُصُولِهِ عَلَى وَجْهٍ يُوحِي بِتَحامُلِ المُتَكَلِّمِ علَيهِ أحْيانًا؛ وبِجَهْلِهِ بِحَقِيقَتِهِ أَحْيانًا أُخْرَى!.
وحَمَلَنِي عَلَى الكِتابَةِ فِي هَذا؛ أَنّنِي رَأَيْتُ كَثِيرينَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ واحِدًا مِن صِنْفَينِ:
-رَجُلًا لا يُفْصِحُ عَمّا يَجِبُ الإفْصاحُ عَنْهُ، ولِهَؤلاءِ مِن وراءِ ذلكَ مَآرِبُ شَتَّى، وما أنا عَلَيهِمْ بِوَكِيلٍ، مَعَ التَّنْبِيهِ علَى أنَّ الواجِبَ علَى مِن يَتَصَدَّرُ لمِثْلِ هَذا الأمْرِ أنْ يُبِيَّنَ للناسِ ما أَمَرَ اللهُ تعالَى بِهِ وارْتَضاهُ لِعِبادِهِ، ولَيسَتْ مُجاراةُ الناسِ فِيما يَظُنُّونَ من شَأنِ العُلَماءِ، كما قالَ آخِرُ شيخٍ للإسلامِ فِي الدولَةِ العُثْمانِيّةِ الشيخُ مُصْطَفَى صَبْرِي رَحِمَهُ الله.
-ورَجُلًا يَغْلُوا لِجَهْلِهِ فِي دِينِ الإسلامِ، فَيَنْسِبُ إلَى الشرْعِ ما لَيْسَ مِنْهُ؛ ويَحْمِلُ عَلَيهِ كُلَّ خَطَأٍ وزَلَلٍ!، فَرُبَّما اغْتَرَّ بِهِ جاهِلٌ أو مُغْرِضٌ فَحَسِبَ ذَلكَ مِنَ الجِهادِ الذِي يُقِرُّهُ الشرْعُ! ولَيْسَ مِنْهُ، والإنْصافُ فِي زَمانِنا هَذا أَنْدَرُ مِن عَنْقاءِ مُغْرِب.
ثُمَّ إنَّ الحَقَّ وَسطٌ بَينَ هَذينِ، والجِهادُ فِي سَبِيلِ اللهِ مِن أعْظَمِ مَحاسِنِ الإسلام - والإسلامُ مَحاسِنٌ كُلُّهُ -، مَعَ التَّذكِيرِ بأَنَّ الجِهادَ شِرْعَةٌ كانَتْ مَوْجُودَةً فِي الدّياناتِ السماوِيَّةِ سابِقًا؛ كَما تَرَى مِثالَ ذلكَ - إنْ شِئْتَ - فِي سِفْرِ العَدَدِ فِي بِدايَةِ (الإصْحاحِ الحادِي والثلاثِين) ، وَفِي سِفْرِ التّثْنِيَةِ فِي (الإِصْحَاحِ العِشْرِينَ العَدَدِ العاشِرِ ومابعدَه) ، وفِي إِنْجِيلِ مَتَّى فِي (الإصْحاحِ العاشِرِ العَدَدِ الرابعِ والعِشرين) ، وغَيرِ ذلك، ولمْ يِنْفَرِدْ بِها الإسلامُ كَما قَدْ يُظَنُّ، وما أَمَرَ اللهُ تَعالَى بِشَيءٍ إِلاَّ وفِيهِ سَعادَةُ البَشَرِيَّةِ وَشِفَاؤُها، ولاَ نَهَى عَن شَيءٍ إِلاَّ وفِيهِ داءُهَا وَشَقاؤُها، كَيفَ ونَبِيُّ الإسْلامِ قَدْ بُعِثَ إلَى كُلِّ عَرَبِيِّ وعَجَمِي، وإلَى أُمَمِ الأَرْضِ قاطِبَةً إلَى أنْ يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ ومَنْ عَلَيها، فَلا نَجاةَ لأَحَدٍ إلا باتِّباعِ دِينِهِ، وذلكَ مَعْلُومٌ بالضَّرُورَةِ من دينِ الإسلامِ.
ولَيْسَ دِينُ الإسْلامِ كَغَيْرِهِ مِن الدِّياناتِ الأَرْضِيَّةِ - والتِي قَلَّدَها مَن حَرَّفُوا الدِياناتِ السماوِيَّةِ أَيضًا -؛ لَيسَ هُوَ كَتِلْكَ الدّياناتِ التِي أغْفَلَتْ مَطالِبَ الرُّوحِ أو مَطالِبَ الجَسدِ، أوْ كِلَيْهِما مَعًا!، أو جاءَتْ مُصادِمَةً للنّوازِعِ البَشَرِيَّةِ التِي هِي مِن طَبِيعَةِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، أوْ خارِجَةً عِن مُراعاةِ السُّنَنِ الكَوْنِيَّةِ والاجْتِماعِيَّةِ التِي تَسِيرُ علَى وَفْقِها حَرَكَةُ الكَونِ والحَياةِ.
فَلَيْسَ هُو كالدِّيانَةِ الهِنْدِيَّةِ عِنْدَ (الجانْتِيِّينَ) الذينَ اعتَقَدُوا أنَّ اللذَّةَ الحِسِّيَّةَ خَطِيئَةٌ دائِمًا؛ وقامَتْ عَقِيدَتُهُمُ الدينَِّةُ علَى أَساسِ الشَكٍّ العَمِيقِ فِي قِيمَةِ الحَياةِ والإنْكارِ الشدِيدِ لَها، وأَجازَتْ الانْتَحارَ بَتَجْوِيعِ النَّفْسِ إلَى المَوتِ؛ حَتّى ماتَ كَثِيرٌ من زُعَماءِ الجانْتِيِّينَ بِهَذهِ الوسِيلَة!.