بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم
رسائل الثغور:
الرسالة التاسِعَةُ:
فِي مُناصَرَةِ الشيخِ الحَسنِ بن عَلِيٍّ الكتانِيِّ حَفظَهُ الله.
الحَمدُ للهِ؛ وبعد:
فقَدْ بَلغَنِي مُنْذُ مُدَّةٍ ما ابْتُلِيَ بِهِ أخُونا فِي اللهِ وحَبِيبُنا فِي دِينِهِ العالِمُ الناصِحُ المُجِدُّ الجامِعُ بَينَ شَرَفِيِ العِلمِ والنّسَبِ الشيخُ مُحمدُ الحَسنُ بنُ علَيٍّ الكتانِيُّ؛ وما حُوكِمَ بِهِ ظُلْمًا وعُدْوانًا مِن السجْنِ عِشْرِينَ عامًا!، ثُمّ اطّلَعْتُ علَى ما كَتَبهُ جَماعَةٌ من العُلماءِ فِي الدفاعِ عن الشيخِ وإنكارِ ما لَحِقَ بِهِ مِن الظلْمِ والمَطالَبَةِ برَفْعِهِ عنهُ، فَرَأيتُ فِيما صَنَعُوهُ سُنّةً حَسَنَةً إنْ أَتَشَبّهْ بِهِم فِيها يَكُنْ لِي مِن الأجْرِ مالَهُم مِثْلُهُ إنْ شاءَ اللهُ تعالَى لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أجورِهِمْ شَيئًا.
ومَعْرِفَتِي بالشيخِ الحَسَنِ أثابَهُ اللهُ مَعْرِفَةٌ عِلْمِيّةٌ فَحَسْبُ؛ فَلَمْ ألْقَهُ ولَمْ يَلْقَنِي؛ لا فِي بِلادِهِ بلادِ المَغْرِبِ ولا غَيرِها، وإنّما سَمِعْتُ عَنهُ وَعَرَفْتُهُ بِواسِطَةِ بَعْضِ الطلَبِةِ قَبْلَ بِضْعَةَ عَشرَ عامًا، ثُمّ شرّفَنِي فأجازَنِي بِمَرْوِيّاتِهِ وأسانِيدِهِ؛ وبَعَثَ إلَى بِثَبَتِ الإجازَةِ مُحَرّرًا بِخَطّهِ؛ ومَعَهُ مَجْموعَةٌ من الكُتُبِ مِنْها ما هُو مِن تَصْنِيفِ والِدِهِ المُنْتَصِرِ رَحِمهُ اللهُ، كما استَجَزْتُ بِوَاسِطَتِهِ جَماعَةً مِن أكابِرِ علُماءِ المَغْرِبِ؛ مِنهم العَلامَةُ الشيخُ المُقْرِئُ مُحَمّدُ الطيّبُ بُنُ مُحمدٍ المَهْدِيِّ الإدْرِيسِيُّ الحَسنِيُّ رَحِمهُ اللهُ.
ونَحْنُ لَم نَسْمَعْ عن الشيخِ أثابَهُ اللهُ إلاّ خَيرًا، وِمنْ وَراءِ ذلكَ أَنّهُ مِن أُسْرَةٍ تَوارَثَتِ العِلْمَ والفَضْلَ أُمّةً بَعْدَ أُمّةٍ، فَلا يَزَالُ غَيْثُهُمْ فِي بِلادِ المَغْرِبِ الإسْلامِيِّ هامِعا، ونَجْمُهُمْ فِي سَماءِ المَجْدِ لاَمِعًا، ...
والنّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الأَبْصارُ صُورَتَهُ ... فالذنْبُ للطّرْفِ لاَ للنّجْمِ فِي الصّغَرِ
ومِنْ مَشاهِيرِ مُتأخّرِيهِم: العَلاّمَةُ المُحدثُ الفقيهُ جَعْفَرُ بنُ إدْرِيسَ الكتانِيُّ؛ المُتَوفّى سَنَةَ (1323) ؛ لَهُ حاشيَةٌ علَى صحيحِ البخارِي قالَ عنها فِي فِهْرِسِ الفَهَارِس: لو تَمّتْ لكانَتْ آيَةً فِي بابِها؛ مَلأها فِقْها مُحَرّرًا.
ومِنْهُم: المحَدّثُ الراوِيَةُ المؤرّخُ الفَقيهُ؛ مُحَمّدُ بنُ جَعْفَرَ بنِ إدْرِيسَ الكتانِيُّ الحَسَنِيُّ الفاسِيُّ، نزيلُ المدِينَةِ المنُوّرَةِ؛ الَموْلُودُ بِفاس والمتوفّى بِها سَنَةَ (1345) ؛ مُصنّفُ الرسالَةِ المُستَطْرَفَةِ ونَظْمِ المُتَناثِرِ؛ وَغَيرِها مِن الكتُبِ النافِعَةِ.
ومِنْهُم: المُحَدّثُ المُؤَرّخُ الرحّالَةُ المغْرِبِيُّ عَبْدُ الحَيِّ بنُ عَبدِ الكَبيرِ الكِتانِيُّ؛ المُتَوفّى فِي سَنَةِ (1382) ؛ رحلَ إلى الحجازِ ومِصرَ ودِمَشْقَ وفلسطِينَ والجَزائرِ والقَيرَوانِ وغَيرِها؛ وَكَلِفَ فِي أسفارِه بِجَمْعِ الكُتُبِ حَتّى صارَتْ مَكتَبَتُهُ مِن أكْبَرِ المَكْتَباتِ وأنْفَعِها؛ لاحْتِوائها علَى نَوادِرِ المَخْطُوطاتِ، وهُو صاحِبُ التراتِيبِ الإدارِيّةِ المُصَنَّفِ المَشْهُورِ فِي نظامِ الحُكومَةِ النَبوِيّةِ، وصاحِبُ فِهْرِسِ الفَهارِسِ وهَو مِن أنْفَعِ الكُتُبِ فِي بابِهِ، ولَهُ النورُ السارِي علَى صحيحِ البخارِي؛ والرِحْلَةُ الحجازِيّةُ؛ وغَيرُها مِن الكُتُبِ النافِعَةِ، رَحِمَهُ اللهُ.
فَعَمَلًا بِما أخَذهُ اللهُ تعالَى علَى أهلِ العِلمِ من العَهْدِ والمِيثاقِ {لَتُبَيِّنُنَّهُ للنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} ، وَوَفاءً بِحَقِّ الشيخِ فَكّ اللهُ قَيْدَهُ؛ وحُقوقِ مَشايِخِنا رَحِمَهُم اللهُ؛ ولأنّ العِلْمَ رِحِمٌ بَينَ أهْلِهِ، ولأّن ما ابْتُلِيَ بِهِ الشيخُ - عافاهُ اللهُ - غَدا سُنّةَ سَيّئَةً فِي أمْصارِ المُسلمِينَ! يَحْمِلُ مَن سَنّها وِزْرَها وَوِزْرَ مَن عَمِلَ بِها إلَى يَومِ القِيامَةِ لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أوزَارِهِم شَيئًا؛ ولأَنّ عَواقِبَ الظلْمِ تُرَدُّ إلَى فَسادٍ ونَدَمٍ؛ كما قالَ ابنُ عباسٍ لابنِ الزبيرِ رَضيَ اللهُ عنهما، ولأّنَّ تَواتُرَ أهْلِ العِلْمِ علَى إنْكارِ الظُّلْمِ رُبّما كانَ زاجِرًا لِمَنْ رَكِبَ مَطِيّةَ الظُّلْمِ فَكَفّ عَنْهُ أو عَنْ بَعْضِهِ، لأجْلِ هذا وذاكَ قَيّدْنا هَذهِ الكَلِماتِ عَساهاَ