بِسْمِ اللهِ الرحْمَنِ الرحيم
رَسائلُ الثغُور
الرسالَةُ الثالثة: (اللهَ اللهَ يا أبْناءَ غَزَّة) .
الحُمدُ لله؛ والصلاةُ والسلامُ علَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ؛ أما بعْد:
فَقْدْ آلَمَنِي - كما آلَمَ كَثِيرِينَ مِن المُسْلِمِينَ - ما وَقَعَ قَبْلَ مُدَّةٍ لَيْسَتْ بالبَعِيدَةِ بَينَ بَعْضِ أبْناءِ غَزَّةَ الأَبِيَّةِ مِنَ المُجاهِدِينَ وبَيْنَ حُكُومَةِ حَرَكَةِ المُقاوَمَةِ الإسْلامِيَّةِ (حَماس) ، مَمّا اتُّخِذَ مَدْخَلًا للوَقِيعَةِ بالإسْلامِ وَبِأَهْلِ الإسْلامِ، مَعَ فَتْحِ بابِ الكَلامِ لِمَنْ يُحْسِنُ ولِمَنْ لا يُحْسِنُ؛ كَما هِيَ السِّمَةُ الغالِبَةُ علَى كُلِّ ما يَقَعُ مِن الحَوادِثِ فِي زَمانِنا!، لانْتِشارِ القَلَمِ مَعَ قِلَّةِ العِلْمِ وغَلَبَةِ الجَهْلِ، حَتَّى لَيَصْدُقُ علَى كَثِيرٍ مِن هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ صلّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمَ فِيما رَواهُ أحْمَدُ والترمِذيُّ وابنُ ماجَةَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدَىً كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ. وللهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ ومِنْ بَعْد.
ونَحْنُ فِي زَمانٍ غَدا الإنْصافُ فِيهِ عَزيزًا!، وتِلْكَ ثَمَرَةُ ما أَسْلَفْناهُ، ولا تَكادُ تَجْدُ مُخْتَلِفَيْنِ مِنَ (المُسْلِمِينَ) إلاّ ولِسانُ حالِ كُلٍّ مِنْهُما: إمّا مَعْنا وإما عَلَيْنا!!؛ وما أحْسَنَ ما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ رَحِمَهُمُ اللهُ: عَلى قَدْرِ الجَهْلِ يَكُونُ الشِّقاقُ؛ وعلَى قَدْرِ العِلْمِ يَكُونُ الوِفاقُ، وتِلْكَ كَلِمَةٌ مُسْتَوْحاةٌ مِنْ كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ علَيْه.
ولا أَزَالُ بِحَمْدِ اللهِ تَعالَى أَعُدُّ مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللهِ تعالَى عَلَيَّ أنْ بَرَّأَنِي مِن العَصَبِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ ومِنْها فِي زَمانِنا عَصَبِيَّةُ الانْتِماءِ إلَى الأحْزابِ والفِرق!، وَسَلَّمَنِي مِن الحَمِيَّةِ لِغَيرِ دِينِهِ، وإنَّما نُحِبُّ المُسْلِمَ ونُوالِيهِ عَلَى قَدْرِ ما فِيهِ مِن الطاعَةِ للهِ تعالَى والولاءِ لهُ وللمُؤْمِنِينَ، ولا يَمْنَعُنا إنْ شاءَ اللهُ حُبُّنا لَهُ أنْ نَقُولَ لِما أَخْطَأَ فِيهِ أخْطَاتَ، كَمَا لا يَمْنَعُنا بُغْضُنا لِزَلَّةِ المُسْلِمِ أنْ نَقُولَ لَهُ فِيما أَحْسَنَ فِيهِ أحْسَنْتَ، واللهُ يتَولَّى الصالِحين.
وَمُنْذُ أنْ وَقَعَتْ تِلْكَ الأحْداثُ والناسُ يُكْثِرُونَ السؤالَ عَنْها شِفاهًا تارَةً ومَكاتَبَةً أُخْرَى، وكَثُرَ الخَوْضُ فِيها مِنَ الأغْرارِ والأغْمارِ المُفْتِينَ!!؛ حَتى آلَ الحالُ إلَى التَّرامِي بالكُفْرِ والتَّراشُقِ بِالبِدْعَةِ والفُسُوقِ!، مِمَّا لَوْ عُرِضَ مِثْلُهُ عَلَى فُحُولِ الأَئمَةِ وأساطِينِ العِلْمِ لأَطالُوا الوُقُوفَ عِنْدَهُ؛ وأَعَدُّوا لِهَوْلِ المَوْقِفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالَى جَوابًا؛ قَبْلَ أنْ يُقَدِّمُوا للسّائِلِ جَوَابًا!، أَلاَ قاتَلَ اللهُ الجَهْلَ ما يَصْنَعُ بِأَهْلِهِ.
وقَدْ أَبَى عَلَيَّ إلْحاحُ السائِلِينَ؛ مَعَ ما ذَكَرْتُهُ لكَ؛ إلاّ أنْ أُدْلِيَ بِما تُوجِبُهُ أمانَةُ العِلْمِ، وما يُمْلِيهِ حَقُّ الشرْعِ أَوَّلًا وحَقُّ المُسْلِمِينَ ثانِيًا، وكَمْ رَجَوْتُ فِي مِثْلِ هَذهِ المَواطِنِ أنْ يَكْفِيَنِي اللهُ تعالَى بِغَيْرِي مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وهُمْ كَثِيرٌ وللهِ الحَمْد، أما وقَدْ وقَعَ السؤَالُ فَقَدْ تَعَيَّنَ مَعَ العِلْمِ الجَوابُ، فَأَقُولُ مُقَدِّما بِما لا بُدَّ مِن بِيانِهِ فِي مِثْلِ هَذا المَقامِ، مُراعِيًا إِدْراجَ ما نُعَوِّلُ عَلَيهِ بَعْدَ اللهِ تعالَى مِن الأصُولِ المَرْعِيَّةِ فِي مِثْلِه:
أَوَّلا: إعْلَمْ - عَلَّمَنا اللهُ وإياك - أنَّ بَيانَ ما أَوْجَبَهُ اللهُ تعالَى مِنَ الحَقِّ للناسِ لا تَعارُضَ بَيْنَهُ وبَينَ ما أَمَرَ بِهِ مِن الرِّفْقِ واللينِ فِي القَوْلِ، ولَئِنْ كانَ ذلكَ مَامُورًا بِهِ مَعَ أشَدِّ الناسِ كُفْرًا؛ {فَقُولاَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} ؛ فَكَيفَ بالمُسْلِمِ الذي لَهُ حَقُّ الوَلاءِ والنصْرَةِ؛ حَتَّى جَعَلَ اللهُ تَعالَى مَحَبَّتَهُ شَرْطَ الإيمان، كَما فِي حَدِيثِ أنَسٍ فِي الصحِيحَينِ وغَيرهِ.
ثانِيا: مِن الفِقْهِ فِي الدينِ أنْ يَكُونَ خِطابُنا عَلى أحْسَنِ الوجُوهِ التِي يَحْصلُ بِها مَا أمْكَنَ مِن المَصالِحِ ويَنْدَفِعُ بِها ما أمْكَنَ مِن المَفاسد، ومِن الحِكْمَةِ التِي أَنْقُلُها عَن بَعْضِ شُيُوخِنا وقَدْ قَلْتُ لَه: لا أَعْلَمُ يا شَيخُ كَلِمَةً قُلْتُها فِي مَوْضِعٍ