الصفحة 14 من 85

بل الحاصِلُ في مُقَابِلِ هذا كُلِّهِ الضِّنَّةٌ باسْتِشارَةِ أصْحابِ الرايِ؛ ولو كانوا مِنْ أهْلِ الحلِّ والعَقْدِ!؛ مَع أنَّ الجميعَ يَسْتَوِي في الغُرْمِ؛ وتَحَمُّلِ التَّبِعَاتِ والتكالِيفِ؛ أما الغُنْمُ فَهْبْ أنَّ الناسَ تَنازَلَتْ عنهُ؛ لكنْ لا أقلَّ من الرجُوعِ إلى رَايِ ذَوِي الرأيِ ومَعْرِفَةِ ذَوٍِي المعْرِفَةِ مِنَ المُؤْتَمَنِينَ عَلى مَصالِحِ الأُمَّةِ؛ بغيةَ تحقيقِ مَصالح المسلمينَ على الوجْهِ الْمَطْلوب ما أمْكن.

ومِنَ الضرُورِيِّ أن نَعْلَمَ أنَّ بناءَ العُقُولِ أهمُّ مِنْ بِنَاءِ الأجْسَاِد والْمَهَارَات؛ ولو تَكاتَفَتِ الجهودُ وتعاوَنَتْ على الوَجْهِ المطْلُوبِ لَكانَ بَيْنَ القائِمِينَ عَلَى الدعْوَةِ إلَى اللهِ وبَينَ المُجاهِدينَ في سَبيلَهِ خلالَ سَنَواتٍ مَعْدُودَةٍ كفاءاتٌ تُنًافِسُ الأمَمَ الأخْرى في كافَّةِ المجالات؛ شريطةَ الخروجِ من عِقَالاتِ القَنَاعَةِ بما نَحْنُ عليه؛ والتحَرُّرِ مِنْ قُيُودِ الإلفِ والعادة!.

ومن الدين أن يُستفادَ في هذه المعْرَكَةِ التي تَخُوضُها الأُمُّةَ ضِدَّ أعدائِها مِن الصلِيبِيينِ وجُمُوعِ المُوالِينَ لهمْ مِنْ خِبْرَةِ كلِّ ذِي خِبْرَةٍ من المسلِمِين؛ دُونَ حواجِزَ وحوائِلَ نَصْطَنِعُها؛ تُؤَدِّي إلى بَعْثَرَةِ الجهود؛ وتَضْييعِ المصالِح؛ وتجعلُنا أُضْحُوكَةً للخَلق؛ كقولِ أنْصارِ كُلِّ أمِيرٍ أَوْ قائِدٍ أو أتباعِ مَدْرَسَةٍ أو شَيخٍ: لقد صَنَعْنَا رمْزًا ولا نُرِيدُ سِواهُ؛ يخشى القائلُ أنْ يَخْرُجَ منَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْلُو على الرَّمْزِ الْمَصْنُوع!؛ وكأنَّ الأُمَمَ تُبْنَى بالرِّعاعِ والإمَّعاتِ الْهَمَل؛ الذينَ يُصَفِّقُونَ لكُلِّ ما يَرَوْنَ؛ ونَسِيَ القائِلَ تاريخنا؛ وأنَّ أُمَّتنا لا تزالُ مصنعًا لأكابرِ الرِّجال!؛ كما أُرَاهُ قد غَفِلَ عَنْ أن الطريقَ إلى الله تعالى أَوْسَعًُ مِنْ أن يَزْدَحِمَ عليه السالِكُون!.

والله تعالى قد خَلَقَ الإنسانَ عُلْويا يحبُّ الرُّقِيَّ وينساقُ إليه؛ ومِن حِكْمَتِه أن جَعَلَهُ مُنْتَصِبَ القامةِ يَخْتَلِفُ عن غيره من البهائِم لهذا المعنى؛ ومراعاةُ هذا في تطلُّع الإنسانِ إلى العِلْم والمعرفةِ والتقدم والرُّقِي في التفكيرِ والعَمَلِ واجبٌ لنُهُوضِ الأمة ورُقِيِّها؛ وهو مُوَافَقَةٌ لهذهِ السنَّةِ الكَوْنِيَّةِ في الإنْسَانِ؛ أما الْحَجْرُ على العُقُولِ والمواهِبِ لأَجْلِ شعاراتٍ واهيةٍ لا قِيمَةَ لها في الحياةِ فَضْلًا عن الدينِ والشَّرِيعَةِ فمن الرضا بالدَّنِيَّةِ والتَّبَعِيَّةِ؛ ومن احتقارِ النفس؛ وهو عين الحماقَةِ عندَ منْ يَعْقِل؛! ذلك أن المجتمعَ الإسلامِيَّ في مَجْمُوعه يُشَبَّهُ عندَ علماءِ الفنِّ بالجسَدِ الإنْسَانِي؛ كلُّ عُضْوٍ منه له مَنفعةٌ مُكَمِّلَةٌ لبَقِيَّةِ أعضاءِ الجسد؛ وهو المَعْنَى الذي أشارَ إلَيْهِ النبيُّ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّمِ في مَثَلِ المؤْمِنينَ فِي تَوادِّهم وتَراحُمِهِم!، فتصورْ ما حالُ مَنْ يُعَطِّلُ بَعْضَ أَعْضائِهِ عنِ العَمَلِ معَ قُدْرَتِهِ على تَوْظِيفِها والاستفادَةِ منها؟!؛ وهلْ يُرَى في البشَرِ من هو أحقُّ بالمثَلِ القائلِ: أحمقُ مِن رِجْلةٍ؛ و أعيا مِن بَاقِلٍ؛ مِنَ المذكور؟!.

الأُمّةُ في هذه الأيامِ تَعِيشُ مِحْنَةً كُبْرى فِي ظلِّ هذه الأحْوالِ التي لا تَخْفَى عَلى أحد، ونَحْنُ بحاجَةٍ إلى كلِّ جُهْدٍ من الجُهودِ وإنْ قَلَّ؛ ومَنْ عَجِزَ عَنِ التلاؤُمِ والتلاحُمِ معَ القَرِيبِ فَعْجْزُهُ عَنِ البَعيدِ منْ بابِ أولَى، ولا بُدَّ لِمَنْ يَتَقدَّمُ الطَرِيقَ أنْ يَجْمَعَ بَينَ رَحابَتَيْنِ؛ رَحابَةِ الصدْرِ ورَحابَةِ العِلْمِ والعَقْلِ، وتأمَّلْ قَوْلَ النبِيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ لأصحابِهِ: إنما أنا لكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوالِدِ أُعَلِّمُكُم، مَعَ قَوْلِ الأوزاعِيِّ أو غَيرِهِ من السلفِ: إنما السلطَانُ والِدٌ؛ كيفَ دَلَّ عَلَى كثيرٍ مِمّا نَحتاجُ إليْهِ؛ لكنَّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ أمدًا بَعِيدا!؛ ولله عاقِبَةُ الأمور.

هذا ما يسّرَ اللهُ تعالَى كِتابَتَهُ في هذا الموْضِعِ، وهو بِحاجَةٍ إلى بَسْطٍ أكثَرَ مما رَأيْتَ، وعساهُ يُسْتَدْرَكَ في مَقامٍ آخرَ إن شاءَ اللهُ، وبالله رَبِّنا العُوْنُ والتوفيقُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت