الصفحة 13 من 85

وأزيد على هذا ما يلي: إن تقاربَ الزمان والمكانِ على وجهٍ لم يُعْهَدْ له مثيلٌ من قبلُ قد اسْتَوْجَبَ بينَ الأممِ مواطنَ كثيرةً من الالتقاءِ والافتراقِ تتباينُ فيها المصالح أحيانًا وتتقاطع أحيانًا؛ وليسَ يمكنُ إدراكُ الكثيرِ من هذه المصالح على وَجهٍ يَكُونُ النَّفْعُ فِيهِ لأهْلِ الإسلامِ ويُفَوِّتُ على العَدُوِّ اسْتِغْلالَها؛ إلا بالاستفادةِ من كافَّةِ العلُومِ والمعَارِفِ والمهاراتِ؛ ومن المقْطُوعِ به أن الفرْدَ الواحدَ من المسلمين لا يُمكنه الإحاطةُ بكافةِ هذه العلوم التي تُدْرَكُ بِها المصالحُ؛ ولما كانَ تصرفُ المتولي منوطًا بِمَصْلَحَةِ الأمةِ؛ وهو منها بِمَنْزِلَةِ الوكيلِ من الموكِّل كما صرّح به الأئمةُ في الأحكامِ السلطانية رحمهم الله؛ حتى إن تصرُّفَهُ لا ينفُذُ متى كان خلافَ المصلحةِ كما تّقَرَّرَ في قَواعِدِ مَجَلَّةِ الأحكَاِم وغَيْرِها؛ تعينَ على المتولي تعينًا شرعيًا أن يرجعَ في كل ما يَصْدُرُ عنه مِن قَرَارَاتٍ إلى أهلٍ الخبرةِ والاختصاصِ في كافّةِ المعارفِ والعُلُوم الْمُتاحَةِ لَدَيْه؛ ولا يصدرُ في أمرٍ يتعلقُ بِمَصَالِحِ المسلمين إلا عنْ رَايِهِمْ ونَظَرِهِمْ؛ يَسْتَوِي فِي ذلك الْمُتَوَلِّي العامُّ أو منْ هُو دُونَه.

ومِنْ ثَمَّ فَما لَم نَعِ ذلكَ علَى وجْهِهِ؛ بَقِينا فِي وَضْعٍ يَسْهُلُ معهُ تَوْظِيفُ جُهُودِنا واسْتِخْدَامُها لمصالحَ نَحْسَبُ أننا المستَفِيدُونَ منها؛ في حينِ أن الفائدةَ لغيرِنا؛ ولنا الفُتات!!.

ولا يُشترطُ في المتولي ليرجِعَ إلى أهلِ الاخَتِصاصاتِ أن يكونَ عالمًا بِكُّلِّ تلكَ الاخْتِصاصاتِِ ولا مُطّلِعًا على تَفاصِيلِها؛ بلْ يَكْفِيهِ العلْمُ بوُجُودِ رابطةٍ بينها؛ وأنَّ بَعْضَها يَخْدِمُ بَعْضًا.

ولا يَزَالُ هَذا الذي أشَرْنا إليهِ مُهْمَلًا عِنْدَ كثيرين!؛ بلْ ويَرَوْنَهُ من الطُّرَفِِ التي يُتندرُ بها؛ وما زالَ عدُوُّنَا يَلِجُ إِلَيْنَا مِنْ هذه الثَّغَرَاتِ من حَيْثُ لا نَشْعُرَ؛ لأننا بِما نَحْتاجُ إلَيْهِ مِنْ تِلكَ العُلُومِ والمَعارِفِ جاهُلُونَ؛ وعنها مُعْرِضُونَ؛ وغايةُ فَقِيهِنَا أنْ يظنَّ أنّ الاشتِغالَ بِمِثْلِ هذهِ الفُنُونِ منَ الْمُباحاتِ؛ أو الْمُسْتَحَبَّاتِ؛ فإنْ وُجِدَتْ فحَسَنٌ وإلاَّ فَلا ضَيْرَ؛ مع أن عدوَّنا اليوم قدْ عدّدَ جوانبَ المعركةِ؛ سياسيًا وإعلامِيًا وثَقافِيًا واقْتِصادِيًا واجْتِماعِيًا؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فكيفَ يمكنُ في مِثْلِ هذهِ الصُّوَرِ ومَثِيلاتٍ لَها لا حَصْرَ لَهُنَّ في واقِعِنَا المعاصِرِ؛ أن نُواجِهَ عدونا؛ وأن نُقَدِّرَ مَوْضِعَ مصلحتنا دونُ الاطلاعِ على السياسَةِ المحليةِ والإقليمية والدَّوْلية؛ وبل وعلى وَضْعِ الاقِتِصَادِ العالَمِيِّ؛ ومَوَاطِنِ قوَّتِهِ وثَغَرَاتِ ضَعْفِهِ؛ وهل يستطيعٌ رجُلٌ واحِدٌ أن يَسْتَقِلَّ بإدْرَاكِ هذه المصالِح وحدَه!؛ ودُونَ الرُّجُوعِ إلى أَهْلِ الاختصَاِص في كافَّةِ المجالاتِ والمعارِفِ؟!.

فَمَنْ أعْرَضَ عن هذا كُلِّهِ ورأى الدَّعْوَةَ إلى جَمْعِ الكَلِمَةِ لا تَؤتِي ثِمارَها؛ فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ، لأنَّهُ أعْرَضَ عنْ سنَّةٍ اللهِ الكَوِنِيَّةِ في البابِ، وإنما مَثَلُ السنَةِ الشرْعِيةِ مع الكَونِيَّةِ في بابِ الاجِتِماعِ كَمَثَلِ القاطِرَةِ لا تَسيرُ إلا بأمْرَينِ؛ بالوَقُودِ الدافِعِ وقُضْبانِ سِكَّةِ الحديد، فَما يُرَدِّدُهُ الناسُ في الدعْوَةِ إلى الاجِتِماعِ مِنْ المحبَّةِ بَيْنَ المؤمِنينَ وخفْضِ الجناحِ لهم وما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التآلفِ والتناصُر هو الوَقُودُ الدافِعُ وذلك صحيحٌ لا رَيْبَ فيه، وما نَبْحَثُ فِيهِ هنا هَوَ قُضْبانُ القاطِرَةِ وليْسَتْ تَسيرُ إلا بِهِما مَعا.

ويمكنُ أن يُجْعَلَ هذا مِنْ بابِ ما دَعا إليهِ بَعْضُ العلَماءِ المعاصِرِينَ من فَتْحِ بابِ الاجتهادِ الجماعِيِّ؛ لمواجَهَةِ ما يَسْتَجِدُ من الحوادِثِ والنوازِل الْمُعاصِرَةِ؛ خاصّةً مع كَثْرَتِها كثرةً تَخْرُجُ عن حَدِّ القُّدْرّةِ على الاجتهادِ الفَرْدِيِّ كما كانَ يِضْطَلِعُ بذلكَ الأئمةُ المجتهدون رحمهم الله.

ونحن لو تأملنا حال عدوناَ وجدْناهُ يَسْلُكُ هذا المسلَكَ في قراراتِهِ؛ السياسيِّ منها والعسكريِّ والإعلامِيِّ وغيرِ ذلك؛ فإنه يبني قراراتِهِ تلك على مُؤَسَّسَاتٍ خُصِّصَتْ لمثل هذه الْمُهِمَّاتِ؛ و لَيْسَتْ المُؤَسساتُ مَقْصُودَةً لِذاتِها؛ بل نتحدثُ عن مَبْدَأ صياغَةِ القَرارات التي تتَعلَّقُ بالمصالِحِ العامَّةِ؛ واتِّخَاذِ المواقفِ بالتعاونِ على الوجْهِ الذي أشرنا إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت