ومن السنن الكونيةِ القدريةِ الْمُهْمَلَةِ وهِيَ مَنْ أَعْظَمِ أسبابِ جَمْعِ الكَلِمَةِ مع تَعَيُّنِ الأخْذِ بِها؛ سُنَّةُ التوصُّلِ إلى إِقامَةِ الأمةِ والدَّوْلَةِ بمَجموعِ ما أَوْدَعَهُ الله في المسلمينَ من المواهب؛ فإن المشاريعَ الأُمَمِيَّةَ كما يقولُ علماءُ السياسةِ وخُبَراءُ الفن لا تقومُ إلا بِخُلاصَةِ أعْمَالِ الْمَجْمُوعِ؛ ومن النتائجِ ما يَنْبَنِي على سَبَبٍ واحدٍ كالشَّبَعِ مَعَ الأكْلِ؛ ومنها ما يَنْبني على جُمْلَةٍ من الأسبابِ مُجْتَمِعَةً؛ كإقامَةِ الدَّوْلَةِ وبِناءِ الأمةِ لا يَكُونُ إلا بِجُمْلَةِ من الأسبابِ يَتَعَيَّنُ الأخذُ بها.
وإنَّما الشأنُ فِي سِيَاسَةِ الأُمَّةِ حِينَئِذٍ كَشَانِ من يَجْمَعُ قَطَرَاتِ المطَر حَتّى يكونَ مِنْها سَيْلٌ عظيمُ يَنْفَعُ الناسَ؛ فليسَ يُستَغني عن قَطْرَةٍ منه؛ وقولُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أمَّتِي كالغَيث؛ يَصْلُحُ دَليلًا لهذا المعنى!!.
وأعظمُ الأسباب بعدَ الإيمانِ بالله تعالى والتمسكِ بِهَدْيِ كِتَابِهِ تَضَافُرُ ثَمَراتِ العُقُولِ وتَلاقُحُ نَتَائجِ الأفكار؛ فإنّها التي شرّف الله تعالى بها الإنسانَ على سائِرِ المخلوقات؛ وهي مَحَلُّ التنافُسِ بين الأمم؛ وكما نَحْتاجُ إلى تَضافُرِها نَحْتَاجُ إلى أن نَتَعَلَّمَ كيفَ نَسْتَفِيدُ منها؛ فكما أنَّ الفرْدَ يكونُ سليمَ العَقْلِ سليمَ التفكيرِ إذا فَكَّرَ بمجموع عقلِه؛ فكذلك القائمُ على سياسَةِ الناس يحتاجُ إلى التفكيرِ بِمَجْمُوع ما لَدَيْهِ من العُقُول؛ فإذا عَطَّل بعضَها أو أهملَ بعضَها كان كمنْ فكّر بِبَعْضِ عقْلهِ أو عطّل بعضَه؛ وذلك نوعٌ من العَتَهِ أو ضربٌ من الجنون.
ولذا كان من قواعدِ السياسةِ وأصول البناءِ قولهم: (إذا أردتَ لأمة أن تنهضَ فعلمها كيفَ تفكر) ؛ وهذا صحيحٌ في نفس الأمر؛ حتى إن هذه القاعدةَ كانت سببَ خُرُوجِ أُورُوبّا من العصور الوُسْطى المظلمةِ وانتقالِها إلى عُصُور النهضةِ الحديثَةِ؛ وقد قرأتُ أنها كانت الأساسَ التي اعْتَمَدَهُ (مارتن لوثر) زعيمُ النهضَةِ الأوربيةِ الحديثَةِ في إيقاظِ الشعوب الأوروبيةِ وخروجِها من تلك العُصُور.
وليست هذه القاعدةُ خارجةً عَنْ الشَّرْع؛ بل هِيَ من السياسة الشرعِية لأنها تَجْري وَفْقَ قَوَاعِدِ الشرْع ومَقَاصِدِهِ؛ كما يُفْهَمُ مِنْ كَلامِ ابنِ عَقيلٍ الحنبلِيِّ رحمه اللهُ فِي تَعْرِيفِ السياسَةِ الشرعِيةِ؛ والذي نَقَلَهُ عنهُ ابنُ القيمِ رَحِمَهُ الله.
وفرقٌ بين التفكيرِ وكَيْفِيَّةِ التفْكِير؛ فأما كيفَ تُفَكِّرُ الأمةُ؛ فمعنَاه الذي نُريدُهُ هنا اجْتِمَاعُ عُقُولِ أصْحابِ الغُقُولِ على بلوغِ أعلى النتائجِ والثمَارِ منْ أيْسَرِ الطرُقِ وبأقلِّ التكالِيف. وقد قراتُ مِثَالًا لهذا كَتَبَهُ بَعْضُ الباحِثِينَ؛ ذكرَ فيهِ أنَّ إحدى شَرِكَاتِ السِّياحةِ في كندا كانتْ تَمْتَلِكُ فُنْدُقًا مشهورًا إلا أنه قديمُ البناءِ؛ فلما بُنِيَتْ بجانِبِهِ الفنادقُ الجديدةُ؛ قلَّ إقبالُ النُّزلاءِ عَلَيْهِ لا بِسَبَبِ الأثاثِ والخِدْمَةِ فإنَّهُ كانَ أحْسَنَ منْ غَيْرِهِ في هذا؛ بل بسببِ بُطْءِ المصاعدِ المُستخْدَمةِ فيه لِقِدَمِها؛ حيثُ يَضْطَرُّ النزيلُ إلى قَضَاءِ دقائقَ طويلةٍ في انتظار الْمَصْعَد؛ بينما نَزَلاءُ الفنادِقِ الأُخْرَى لا يَحْتاجُونَ لذلكَ لسُرعة المصاعِدِ الحديثَةِ المستخْدَمَةِ هناكَ؛ ولذلك طَرَحَتِ الشركةُ مُنَاقَصَةً لِحَلِّ هذِهِ المشْكِلَةِ؛ فتقدّمَتْ شركاتُ الْمُقاوَلات بِحُلُول يتكلَّفُ أقلُّها مَلايينَ الدُّولارَاتِ؛ بينما فازَ بالمَشْرُوعِ مُديرُ إحدى الشركاتِ؛ حيث قدَّمَ حَلاًّ للمُشْكِلَةِ لا يكلفُ أكثرَ من خَمْسَةِ آلافِ دُولار؛ وتَمَثَّلَ الحلُّ في أن تَضَعَ شَرِكَةُ الفُنْدُقِ أمامَ كلِّ مصعدٍ مرآةً كبيرةً فاخِرَةً بِطُولِ بابِ المصعد؛ حيثُ يَنْشَغِلُ النزيلُ عند طَلَبِ المصعدِ بالنظرِ إلى المرآة وإصْلاحِ هَيْئَتِهِ ومَنْظَرِهِ؛ وقدْ نَجَحَ الحلُّ؛ حتى انعدَمَتْ شكوى النُّزلاء؛ وعادَ الإقبالُ عّلَيْهِ كما كان!.
ونحن بأشد الحاجةِ إلى مثل هذا في تكاتُفِ الجهودِ والتقاءِ ثَمَراتِ الأَعْمال؛ على أننا نُنَبِّهُ على أمرٍ مُهم؛ وهو أن الاستفادةَ من ثِمَارِ العُقُولِ ليس معناه أن يُفكرَ الجميعُ بعقلِ واحدٍ؛ أعني بعقل رَجُلٍ واحِدٍ عَلى طَريقَةِ المُقَلِّدَة؛ كما يُرَى وَيُشاهَدُ كثيرًا!؛ حتى إن القَدْرَ الذي يُسْمَحُ به من الْمُوَافَقَةِ والمُخالفَةِ هو ما يَجْري في الحدودِ المرسومةِ التي تخدمُ فكرةَ العقلِ المذكور!؛ بل المطلوبُ أن يكونَ التفكيرُ بعقلٍ واحِدٍ؛ ومعناه أن يُطْلَقَ العِنَانُ لأَهْلِ الرايِ وأَصْحَابِ المواهِبِ وَالعُقُولِ دونَ قيد ولا شرطٍ سوى الالتزامِ بشَرْعِ الله تعالى وآدابِه؛ ثم العملُ على اسْتِخْلاصِ النتائجِ بالنظر في مَوَاضِعِ الالتِقَاءِ والافتراقِ وأُصُولِ المصالِحِ والمفاسِدِ وضَوَابِطِها.