الصفحة 11 من 85

مُنَافِيًا لما أُمِرَ به مِن تأليفِ قلوبِهم على الإسلام؛ وقد أمرَ النبي صلى الله عليه وسلم بإنزالِ الناس منازِلَهم؛ ومعرفة أقدارهم؛ وأَمَرَ بإجازةِ الوَفْدِ بِنَحْوِ ما كانَ يُجيزُهم؛ و كان يُقَدِّمُ كبيرَهم في الصلاة والكلام؛ ويُجلسُهم في المجالس على قدْرِ أَقْدَارِهِمْ؛ وغيرِ ذلك مما يُعرفُ من هَدِيِهِ صلى الله عليه وسلم.

وهكذا كانَ هَدْيُ خُلَفَائهِ وأصحابهِ من بعده رضيَ الله عَنْهُم؛ في مُشَاوَرَةِ أكابِرِهِم؛ ومَعْرِفَةِ الفضلِ لذَوِي الفضل؛ وتقديمِ من يستحقُّ التقدِيمَ منهم؛ وقد قالَ عمرُ رضيَ الله عنه لما رأى عمروَ بَن العاص ماشيًا في بعضِ طُرُقِ المدينةِ: ما كانَ لأبي عبدِ الله أن يمشيَ على الأرض إلا أميرا!؛ وفي كتب السير والتراجمِ وكتب الفتوحِ كفتوحِ الشام والعراقِ وغيرها من التطبيقات العمليةِ لهذه السياسةِ الشرعيةِ الشيءُ الكثير.

ومما يستلزمه الجريُ مع السنة الكونيةِ المشارِ إليها من قواعدِ السياسةِ الشرعيةِ مراعاةُ حاجاتِ الناسِ بِحَسْبِ أقدارهم؛ وعلى قدرِ ما تنهضُ به مصالِحُ الإسلامِ والمسلمين؛ فإن الله تعالى جعل الناسَ في المعايِشِ والأرزاق على مراتبَ متفاوتة؛ وسواءٌ كان ذلكَ فيما يَتَعَلَّقُ بالفرد؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُجِيزُ الوفودَ؛ فكان يُعطي كُلاًّ على قدْرهِ؛ يراعي بذلك سَوَابِقَهُم وما اعتادُوهُ وأَلِفُوهُ؛ فليسَ مقدَّمُ القومِ كعامتهم؛ ولا من ألفَ حياةَ السعةِ والنعيم؛ كمن نشأَ على الكفافِ وما يَسُدُّ حاجَتَهُ؛ وقد كتبَ عمرُ رضيَ الله عنه إلى أبي عبيدة كتابًا ذكره الواقدي في فتوح الشام (305) يُوصِيهِ فيه بصاحبِ رُوِميةَ فيقول: وما تحتاجُ أنْ أُوصِيَكَ فِي أَمْرِ صاحبِ روميةَ؛ أَوْسِعْ عليهِ في النَّفَقَةِ وعلى مَنْ مَعَهُ؛ فإنه قد فارقَ أهلَه ومُلْكَهُ ونَهْيَهُ؛ والسلام.

نعمْ هذا في تأليفِ قلبِ حديث العهدِ بالإسلام؛ لكن حيثُ كانَ المقتضي قائمًا فالحكمُ واحدٌ ولا يختصُّ بحداثَةِ العهدِ؛ ولأجل هذا المعنى جعلَ بعضُ العلماءَ التساويَ بينَ الزوجينِ في الإنفاقِ من الكفاءةِ في النكاحِ؛ فليس الفقيرُ كفئًا لغنيةٍ؛ والله أعلم.

وأما مراعاةُ الحاجاتِ بحسبِ مَنْفَعَةِ المسلمين وبِما يقومُ بمصالحهم فواجبٌ ولا بد؛ نعم؛ ومن يقومٌ بشيءٍ من مصالحِ المسلمين فنفقةُ تلك المصلحةِ على بيتِ مال المسلمين؛ فإن لم يكن للمسلمين بيتُ مالٍ وجبَ على المسلمين أن يجمعوا من المال ما يقومُ بالمصلحة المذكورة؛ كذا في تَنْقِيحِ الحامِدِيَّةِ من فتاوي الحنفيةِ؛ وقريبٌ منه في فتاوِِي عُلَماءِ المالكيةِ؛ وغيرِهِمْ؛ رحم الله الجميع.

نعم؛ والمعتبرُ في ذلك القيامُ بمصالحِ المسلمين وحدَهُ دونَ غيرهِ؛ وذلكَ من العَدْلِ الذي أمرَ اللهُ تعالى بهِ في قِسْمَةِ الأموال؛ وذلكَ من أصول السياسة الشرعية؛ كما ذكرَ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ الله.

وأنبه هنا إلى أن علماءَنا رحمهم الله قد ذكرُوا أن مِن أصولِ سياسةِ الرعيةِ الجودَ في مَوْضِعِ الجود؛ حتى جرى مَجْرى القواعدِ قولُهم: من جادَ ساد؛ ومن سادَ قاد؛ ومن قادَ مَلَكَ البلاد؛ أما التقتيرُ في الإنفاقِ والتضييقُ علَى الناسِ بهِ والتحكمُ بحاجاتهم لأجلِ كَسْبِ مُتَابَعتِهم ومُنَاصَرتِهم؛ تحتَ شعارِ: من يملكُ الدينارُ يملكُ القرارَ؛ فسنةٌ كِسْرَوِيَّةٌ هِرَقْلِيَّةٌ؛ لا تُبنى بها أمَّةٌ ولا تَستقيم عليها مِلّة؛ ولا هِيَ منْ هَدْيِ رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي كانَ يقولُ: أَنْفِقْ بلالُ ولا تخشَ من ذي العرشِ إقلالا.

وقد عهدنا هذه النحلةَ المخترعةَ الْمُبْتَدَعَةَ يُلَوَّحُ بِها كلما خالفَ التابعُ المتبوعَ!؛ فانظرْ كيفَ تُعَطلُ مصالِحُ المسلمينَ بمثلِ هذه الحيلةِ؛ ظنًا من القائلِ بأنها سببٌ لجمع الكلمة؛ وهي من مَدَاخِلِ الشيطانِ لتفريقِ كلمةِ المسلمين؛ لكن غفلتَنا عن الاعِتِبَارِ بِتَاريخنا؛ وإهمالَنا لحاضِرِنَا من أعظم مصائبنا؛ وإنما الهُدى هُدَى الله؛ والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت