بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنْ الرَّحِيمِ
رَسائلُ الثُّغُور
الرِّسالَةُ السادِسَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} .
الحَمْدُ للهِ وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى نَبِيِّهِ الكَرِيمِ، ... أَمَّا بَعْدُ:
فَإنَّ التَّدافُعَ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ سُنَّةٌ ما ضِيَةٌ فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ حِكْمَةً بالِغَةً مِن اللهِ تَعالَى الذِي جَعَلَ هَذهِ الدارَ للامْتِحانِ والابْتِلاءِ، وتِلكَ سُنَّةٌ لا سَبِيلَ لِتَبْدِيلِها ولا تَحْوِيلِها؛ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ سُبْحانَهُ، وعَلَى أهْلِ الإسلامِ أنْ يَاخُذُوا للأَمْرِ عُدَّتَهُ، وأنْ يَكُونُوا فِي كُلِّ مَوْطِنٍ حَيثُ أمَرَهُمُ اللهُ سُبْحانَهُ، فَإِنَّهُ لا يُغْنِي قَلَمٌ عَن سِنانٍ ولا سِنانٌ عَن قِلْمٍ، ولا هُما يُغْنِيانِ عَن اللسانِ فِي مَوْضِعِ اللسانِ؛ ولا هُو بِمُغْنٍ عَنْهُما فِي مَواطِنِهما، والقَلْبُ مِن وَراءِ ذلكَ سُلطانٌ وحارِسٌ علَى هَذا كَلِّهِ، وأكْمَلُ الناسِ جِهادًا مَن جَمَعَ بَينَ هَذهِ الأرْبَعَةِ.
وقَدْ كَثُرَ فِي زَمانِنا هَذا الكَيْدُ لأَهْلِ الإسْلامِ بالعُدْوانِ علَى اصْطِلاحاتِ الشَّرْعِ التِي جَعَلَها اللهُ تَعالَى دَلِيلًا علَى مُسَمَّياتِها، و مِنْ ذَلكَ ما وَقَعَ السؤالُ عَنْهُ مِن تَسْمِيَةِ فَرِيضَةِ الجِهادِ إرْهابًا؛ ومُجارَاةِ طائِفَةٍ مِن المُسْلِمِينَ لِما يُشاعُ مِن ذلكَ ويُنْشَرُ؛ حَتَّى غَدَونا نَسْمَعُ هَذه العِباراتِ فِي هَذا البابِ وأمثالِهِ علَى ألْسِنَةِ بَعْضِ العُلَماءِ والدُّعاة؛ بَلْ إنَّ مِنْهُمْ مَن صَنَّفَ كُتُبًا سَمَّاها بِذلكَ!، فَهَلْ تَجُوزُ هَذهِ المُجارَاةُ فِي الشَّرْعِ؛ وكَيْفَ الجَوابُ عَن ذلكَ كُلِّهِ؟.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ كَيْدٍ نَصَبَهُ إِبْلِيسُ لِبَنِي آدَمَ كانَ مِنْ جِهَةِ تَغِيِيرِ الاسْمِ ليَتَوَسَّلَ بِذلكَ إلَى صَرْفِ آدَمَ علَيْهِ السلامُ عَن حِقِيقَةِ المُسَمَّى!، وذلكَ بَتَسْمِيَتِهِ الشجَرَةَ التِي نُهِيَ عَن الأكْلِ مِنْها شَجَرَةَ الخُلْدِ!، فاسْتَدْرَجَ بِهَذِهِ الحِيلَةِ آدَمَ علَيهِ السلامُ إلَى مُواقَعَةِ ما نُهِيَ عَنْهُ؛ {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} بالأكْلِ مِن الشجَرَةِ وفِعْلِ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ؛ ومَعَ هَذا فَلَمْ يَنَلْ مُرادَهُ، وقَوْلُهُ {فَغَوَى} : إما أنَّهُ أَخْطأَ طَرِيقَ الخُلْدِ؛ فَإنَّهُ يُطْلَبُ بالطاعَةِ لا المَعْصِيَةِ، وإمّا أَنَّ عَيْشَهُ فَسَدَ عَلَيهِ بِما صَنَع.
وتَمَعَّنْ فِي مَكْرِ عَدُوِّ الله!:
-فَإِنَّهُ نادَاهُ باسْمِهِ أَوَّلًا؛ لِيُشْعِرَهُ بالتَّوَدُّدِ إلَيْهِ؛ فَيَكُونَ أَشدَّ إقْبالًا علَيهِ؛ وأَصْغَى لَهُ سَمْعًا.
-ثُمَّ خاطَبَهُ مُسْتَفْهِمًا؛ بِقَوْلِهِ: {هَلْ أَدُلُّكَ ... } ؛ فَأتَى بِصِيغَةِ الدَّلالَةِ وهِي: إلإرْشادُ إلَى مَطْلُوبٍ لا يَظْهَرُ لطالِبِه، ولأَنَّ النَّفْسَ شَدِيدَةُ الطَّلَبِ لِعِلْمِ ما تَجْهَل، وأَرادَ بالاسْتِفْهامِ أَنْ يُوهِمَهُ النُّصْحَ؛ وأَنَّهُ لا يَقْصِدُ إِلْزامَهُ بِذلكَ؛ بلْ كَأَنَّ الخِيارَ مَتْرُوكٌ إلَيهِ، قالَ البِقاعِي: سَاقَ لَهُ الغُشَّ مَسَاقَ العَرْضِ، إِبْعَادًا لِنَفْسِهِ مِنْ التُّهَمَةِ وَالغَرَضِ.
-ثُمَّ سَمَّى الشَّجَرَةَ شَجَرَةَ الخُلْدِ!، فَأَتاهُ مِن حَيْثُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن كَراهَةِ المَوْتِ وحُبِّ البَقاء، قالَ ابنُ عاشُور: وَقَدْ أَفْصَحَ هَذَا عَنْ اسْتِقْرَارِ مَحَبَّةِ الحَيَاةِ فِي جِبِلَّةِ البَشَرِ، قالَ: وَاقْتِصَارُ الشَّيْطَانِ عَلَى التَّسْوِيلِ لآدَمَ وَهُوُ يُرِيدُ أَنْ يَاكُلَ آدَمُ وَحَوَّاءُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اقْتِدَاءَ المَرْأَةِ بِزَوْجِهَا مَرْكُوزٌ فِي الْجِبِلَّةِ!، انتَهى. وَأرَادَ عَدُوُّ اللهِ بِما قالَ: أَنَّهُ لا يَمُوتُ سَواءٌ كانَ عَلَى حالِهِ أو كانَ مَلَكا؛ كما فِي الآيَةِ الأُخْرى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} ، وذكَرَ الرازِيُّ فِي هَذا المَوْضِعِ