الصفحة 50 من 85

أَنَّ الشَّيْءَ الذِي رَغَّبَ اللهُ آدَمَ فِيهِ هُوَ الذِي رَغَّبَهُ إِبْلِيسُ فِيهِ، فَإِنَّ اللهَ تَعالَى رَغَّبَهُ فِي دَوَامِ الرَّاحَةِ وَانْتِظَامِ الْمَعِيشَةِ بِقَوْلِهِ: {فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى، وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى} ، وَرَغَّبَهُ إِبْلِيسُ أَيْضًا فِي دَوَامِ الرَّاحَةِ بِشَجَرَةِ الخُلْدِ؛ وفِي انْتِظامِ المَعِيشَةِ بِمُلْكٍ لا يَبْلَى، إِلاَّ أنَّ اللهَ وَقَفَ ذَلِكَ عَلَى الاحْتِرَاسِ عَنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَوَقَفَهُ إِبْلِيسُ عَلَى الإقْدَامِ عَلَيْهَا. ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا جُمْلَةٌ من المَباحِثِ لَيْسَ هَذا مَوْضِعًا لَها.

-ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الشجَرَةَ أَوَّلًا؛ بَلْ أجْمَلَ الكَلامَ لَتَشْوِيقِهِ إلَى طَلَبِ التَّعْيِينِ!؛ ثُمَّ عَيَّنَها لَهُ؛ كما يَدُلُّ علَيْهِ قَوْلُهُ تعالَى: {فَأَكَلاَ مِنْهَا} .

-ولَمّا رَأَى مِنْهُ نَوْعَ إِصْغاءٍ؛ انْتَقَلَ مِن الاسْتِفْهامِ إلَى الإخْبارِ والحَصْرِ!، حَتَّى كَأَنَّهُ يَجْزِمُ بِما يَقُولُ: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} !.

-وزادَ الأمْرَ تَأكِيدًا وتَرْغِيبًا بِقَوْلِهِ: {وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى} !؛ مَعَ أَنَّ ذلكَ مِن لَوازِمِ الخُلُودِ الذِي زَعَمَ.

-ثُمَّ أَتْبَعَ ذلكَ بالقَسَمِ عَلَى أَنَّهُ ما أرادَ إِلاَّ النُّصْحَ لَهُما؛ {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} ، وقَدْ وَرَدَ أَنَّ آدَمَ عَلَيهِ السلامُ لَمّا سَمِعَهُ يَحْلِفُ بِاللهِ اعْتَقَدَ مِنْ شِدَّةِ تَعْظِيمِهِ للهِ أَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِفَ بِهِ أَحَدٌ عَلَى الكَذِبِ، فَأَنْسَاهُ ذلكَ العَهْدَ بالنَّهْيِ عَنِ الشَّجَرَةِ، ولِذا قالَ مَن قالَ مِن العُلَماء: مَنْ خَدَعَنا باللهِ خَدَعَنا!.

ثُمَّ تَأَمَّلْ كَيْفَ عَقَّبَ القِصَّةَ بالتَّحْذِيرِ مِنْهُ؛ ومِن فِتْنَتِهِ التِي كانَتْ مِن جِهَةِ تَبْدِيلِ الأَسْماءِ والتَّلاعُبِ بالأَلْفاظِ كَما ذكَرْناهُ؛ وَالتِي كانَتْ سَبَبًا لإخْراجِ آدَمَ عَلَيهِ السلامُ مِن الجَنَّةِ؛ فَقال: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} ؛ لأَنَّ الشيطانَ إنْ قَدِرَ علَى إلْقاءِ آدَمَ عَلَيهِ السلامُ فِي الزَّلَّةِ فَهُوَ أنْ يَقْدِرَ علَى إلْحاقِ هَذهِ المَضارِّ بِكُمْ أَولَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ عَدَاوَةَ البَشَرِ للشَّيْطَانِ مَوْرُوثَةٌ، فَيَكُونُ أَبْعَثَ لَهُمْ عَلَى الحَذَرِ مِنْ كَيْدِهِ، وفِي هَذا تَنْبِيهٌ عَلَى ما يَاتِي بِهِ هُوَ وحِزْبُهُ مِنَ المَكَايِدِ الخَفِيَّةِ وَالأَسْبَابِ الدَّقِيقَةِ لإغْواءِ الخَلْقِ!؛ وأنَّ ذلكَ يَحْتاجُ إلَى مَزِيدِ اليَقَظَةِ والعِلْمِ، وأنْ يَعْلَمَ مَنْ نَجَّاهُ اللهُ تَعالَى مِن هَذَا أَنَّهُ إِنّمَا نَجَا بِمَحْضِ التَّوْفِيقِ وَمُجَرَّدِ لُطْفِ اللهِ تَعالَى بِهِ.

واعْلَمْ - زَادَنا اللهُ وإياكَ عِلْما - أَنَّ الفَيْصَلَ فِي هَذِهِ الأُمُورِ المَسْئُولِ عَنْها وأَمْثالِها أَنْ يَقِفَ المَرْءُ عَلَى صَحِيحِ العِلْمِ مِن كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَواتُ اللهُ وسَلامُهُ علَيهِ، إِذْ بِذلكَ يَتَمَيَّزُ الحَقُّ مِن الباطِلِ، ويُعْلَمُ الخَطَأُ مِن الصَّوابِ، وهَذا يَقْضِي بِضَرُورَةِ العَمَلِ عَلَى نَشْرِ العِلْمِ والفَهْمِ بَيْنَ الخاصَّةِ والعامَّةِ، وأنْ يَكُونَ العِلْمُ رَدِيفًا للِجِهادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، بَلْ رُوحًا لَهُ.

وعَلَيْنا أَنْ نَاخُذَ النَّاسَ بالرَّفْقِ فِيما نَقُولُ وفِيما نَفْعَلُ، فَإنَّ الناسَ قَدْ بَعُدَ عَهْدُها بالشَّرْعِ وآثارِ الرِّسالَةِ، وفَشا الظُلْمُ المانِعُ مِن تَبْلِيعِ الحَقِّ إلَى الناسِ، ولاَ شَيْءَ أَحْوَجُ إِلَى الحِكْمَةِ مِن الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ - ومِنَ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ الجِهادُ بالقلَمِ والسَّيْفِ - فِي زَمانٍ تَعاظَمَ فِيهِ الْتِقاءُ المَصالِحِ وافْتِراقُها؛ عَلَى وَجْهٍ لا عَهْدَ للمُسْلِمِينَ بِمِثْلِهِ من قَبْلُ!، فَأَضْحَتِ الكَلِمَةُ التِي تُقالُ؛ والفِعْلُ الذِي يُفْعَلُ؛ لا بُدَّ أنْ يُحْسَبَ لَهُمَا كَثِيرٌ مِن الحِسابِ؛ وأنْ يُوزَنا بِمِيزانِ المَصالِحِ والمَفاسِدِ فِي الشَّرْعِ؛ مَعَ رِعايَةِ ما جَدَّ واسْتُحْدِثَ مِن العُلُومِ والأسْبابِ المَشْرُوعَةِ الجارِيَةِ علَى وَفْقِ مَقاصِدِ الشّرْعِ الإسْلامِيِّ، والغايَةُ مِن ذلكَ أنْ لاَ تُتَّخَذَ كَثِيرٌ مِن الأَقْوالِ والأعْمالِ ذَرِيعَةً إلَى صَدِّ الناسِ عَن الشَّرْعِ وحَمَلَتِهِ فِي الوَقْتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت