الصفحة 6 من 85

بسم الله الرحمن الرحيم

الرسالةُ الثانِية:

(فِيما أَغْفَلَهُ الناسُ مِنْ أسبابِ جَمْعِ الكَلِمَةِ) .

الحمدُ للهِ؛ وبعد:

فلا يَكادُ يَخْفَى عَلَى أحدٍ مِنَ المُسْلِمينَ ما أمَرَ اللهُ تعالَى بهِ من الاجْتِماعِ وما نَهَى عنهُ مِنَ الفُرْقَةِ والخِلاف، فَلَو قالَ قائلٌ إن ذلكَ من المَعْلُومِ من الدينِ بالضرُورَةِ لما كانَ فِي مَعْزِلٍ عن الصوابِ إن شاءَ الله.

ألا وإنَّ منَ الدعْوَةِ إلى جَمْعِ الكَلِمَةِ ما هُوَ أحَقُّ باسْمِ التفْريقِ والشقَاقِ مِنْهُ باسْمِ التوحِيدِ والجَمْعِ، وإنْ قالَ الداعُونَ إلَيْهِ غَيرَ ذلك؛ فإنَّ الأمُورَ بالحَقائِقِ لا بالأَسْماءِ وحدها.

أما الفَقِيرُ إلى اللهِ تَعالَى كاتِبُ هذهِ الكَلِماتِ فإنَّهُ لمْ يَقَعْ لهُ في يَوْمٍ مِنَ الأيامِ أن انْتَسَبَ إلى طائِفَةٍ أو حِزْبٍ أو فِرْقَةٍ أو جَماعَةٍ صَغِيرَةً كانَتْ أو كَبِيرَةً سِوَى جَماعَةِ أُمَّةِ الإسلامِ التي يَنْتَسِبُ إلَيْها كلُّ مَنْ آمَنَ باللهِ رَبًا وبالإسلامِ دينًا وبِمُحَمَّدٍ صلى اللهُ علَيْهِ وسلمَ نَبِيًا ورَسولا؛ وللهِ الحمد؛ عَلى أنهُ بِحَمْدِ اللهِ سَلَفِيٌّ يَفَخَرُ بالانْتِسابِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ سَلَفُ الأمَّةِ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلى الله عَليهِ وسلمَ والتابِعِينَ لَهُمْ بإحسانٍ عَقِيدَةً ومِنْهاجًا وفِقْهًا وسُلُوكًا، وكانَ فضلُ اللهِ عَليهِ عَظيما.

وإنما نَزِنُ الناسَ بِمِيزانِ العِلْمِ والفَهْمِ عن اللهِ وعن رَسُولِهِ صلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ؛ دُونَ المَوازِينِ المُحْدَثَةِ المُصْطَنَعَةِ التي تَتَفاوَتُ فيها الأنْظارُ وتَخْتَلِفُ حَولَها العقُولُ؛ وبَيْنَها وبَيْنَ ما أمَرَ اللهُ بهِ من القِسْطِ والعَدْلِ بَوْنٌ بعيد.

فَرُبَّ رَجُلٍ خَامِلِ الذكرِ لا يُؤْبَهُ لهُ كانَ أحَبَّ إلَيْنا مَمّنْ طارَ بَينَ الناسِ ذكْرُهُ وشاعَ فيهِمْ خَبَرُهُ لأنَّهُ قُدِّرَتْ لهُ من أسبابِ التَعْريفِ بهِ ما لَمْ يَقَعْ للأولِ مُدٌّ مِنْهُ ولا نَصِيفُه!، وربَّّ رَجُلٍ جَرى ذكْرُهُ علَى كلّ لسانٍ نِعْمَةً من الله وفَضْلًا فَقامَ بِحَق اللهِ تعالَى أمْرًا بالمَعْرُوفِ ونَهْيًا عن المُنْكرِ وجِهادًا فِي سَبيلِ اللهِ تَعالَى فَكانَ هُوَ ومَنْ نَصَرَهُ عَلَى هذا أحبَّ إلينا مِنْ أضْعافِ أضْعافِهِمْ من القاعِدين؛ لِما يَقُومُ بِهِ لا لِشُهْرَتِهِ بَينَ الناس.

وإنما كَتَبْتُ هذا مُعْتَرِضًا بِهِ ما سُقْتُ الحدَيثَ لأجْلِهِ أنْ يَتَقَوَّلَ مُتَقَوِّلٌ فَيَنْسِبَ إليَّ ما لَمْ أَقُلْهُ ولا عَهْدَ لي به، فإننا صِرْناَ إلى زَمانٍ أضْحَتْ أعْراضُ المُسْلِمينَ فيهِ مِنْ أبْخَسِ الأشْياء ثَمَنا!؛ مَعَ أنَّها مِن أَنْفَسِها وأغْلاها عِندَ مَليكِها سبحانه، فَلََنْ يَفْرَحَ بِحديثِي هذا فَريقانِ من الناس: لا مَنْ رَكِبَ مَرْكَبَ العَصَبِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ والحَمِيَّةِ لطائِفَتِهِ وجَمْعِهِ ورامَ مِنِّي مُوافَقَةَ هَواهُ!، ولا مَنْ يَتِّخِذُ كَلامِي دَخَلًا وضِرارًا بأنصارِ اللهِ من المُجاهِدينَ في سَبيلِهِ وإرصادًا لِمَنْ حارَبَهُم، فَلَسْتُ بِحَمْدِ اللهِ هنالكَ؛ ولَستُ أُنْعِمُ بِها أحدًا من الفَريقَيْنِ عَيْنا، وإنما يَنْتَفِعُ بكلامِي إن شاءَ اللهُ منْ خَلَعَ عَنْهُ رِداءَ الهَوى؛ ونَبَذَ حظَّ النفْسِ وراءَهُ ظِهْرِيّا؛ واسْتَبانَ لَهُ الفَرْقُ بَينِ جَمْعِ الناسِ على ما أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنَ أنواعِ الطاعاتِ والقُرُباتِ ومِنْ ذلكَ الجِهادُ في سَبيلِهِ؛ وبَيْنَ جَمْعِهمْ عَلَى الوَلاءِ لِحِزْبٍ أو طائِفَةٍ أو تَنْظِيمٍ أو مَذْهَبٍ أو شَيْخٍ يُحِبُّونَ لهُ ويَكْرَهُونَ لهُ؛ ويُوالُونَ عَلَيْهِ ويُعادُونَ عَلَيْهِ!، فِتِلْكَ آفَةٌ فَشَتْ فِي الخَلْقِ فُشُوَّ الطاعُونِ!؛ غَيْرَ أنّ تَمَكُّنَها مِنَ الناسِ مِنَ عَلَى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ لا أجدُ الآنَ فُسْحَةً للحَديثِ عَنْها؛ بلْ أعْقِدُ لها فَصْلًا آخَرَ إن شاءَ الله.

وَأَوْلَى الناسِ بالتَنْبِيهِ عَلَى ما عُقِدَ الفَصْلُ لأجْلِهِ همُ المُجاهِدُونَ في سبيلِ اللهِ، وهُمْ أحقُّ الناسِ بِتَمْحِيضِ النُّصْحِ؛ وصادِقِ الوُدِّ، فإنهم بعدَ اللهِ تعالَى مَعْقِلُ الإسلامِ وحِرْزُهُ وحِصْنُهُ؛ والذابُّونَ عَنْهُ الذائِدُونَ عنْ حِماهُ، وإن كانَ النصْحُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت