الصفحة 7 من 85

مَبْذولا لأهْلِ الإسلامِ كافَّةً كما ثَبَتَ عنِ رَسُولِ اللهِ صَلَواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه، وليسَ يُؤتِي النُصْحُ ثِمارَهُ إلا إذا سلِمَ من شَوائبِ المُحاماةِ وأوْضارِ المُحاباةِ؛ فَتَكُونَ إذَنْ من القَولِ السديدِ الذي أُمِرْنا بِهِ؛ والذي يُثْمِرُ الصلاحَ في العَمَل، إذ صَلاحُ الأعْمالِ فَرعٌ عن صَلاحِ الأقْولِ؛ كما دلَّ عَلَيهِ قَولُهُ تعالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ .. } .

وأحبُّ كان اللهُ لي ولكَ أن أُنَبِّهَكَ علَى أَمْرٍ مُهِمٍّ فَلْيَكُنْ مِنْكَ بالمَحَلِّ الذي يَلِيقُ به؛ وهوَ أنني رأَيْتُ الناسَ قَدْ أَحْدثُوا نَوْعًا خَطِرًا من الفِصامِ بَينَ فِئاتِ المُسْلِمِينَ!؛ مِنْهُ بلْ مِنْ أظْهَرِهِ وأخْطَرِهِ اسْتِشْعارُ الفِصامِ بَينَ الأُمةِ المُسْلمةِ وأبْنائِها مِن المُجاهِدينَ؛ وهوَ فِصامٌ وإن كانَ يَرْجِعُ إلى كَثيرٍ من الأسبابِ إلا أنّ مِنْ أَعْظَمِها إنْ لَمْ يَكُنْ أعْظَمَها على الإطْلاقِ تَصَدُّرَ الجَهَلَةِ مِن الفَريقَيْنِ (المجاهدينَ وغيرِهم) للمُراجَعَةِ والمُناظَرَة، وما أحْسَنَ ما قِيلَ قَديمًا: لَوْ سَكَتَ مَنْ لا يُحْسِنُ وتَكَلمَ من يُحْسِنُ لانْتَهى كَثِيرٌ من الخِلاف.

ولِذا فأنا أكْرَهُ أنْ أُحْسَبَ على أحدِ الفِريقَينَ حِسابَ عَصَبِيِّةٍ جاهِلِيَّةٍ، وأعْمِدُ دائمًا إلى خِطابٍ يَلُمُّ الشعَثَ ويَجْمَعُ ما تَفَرَّقَ، وما أكْتُبُهُ فإنما أريدُ بهِ أهْلَ الإسلامِ كافَّةً مَنْ كانُوا وحَيْثُما كانُوا؛ ولا تَعارُضَ بَينَ هذا وبينَ ما أمَرَ اللهُ تعالى بهِ مِنْ بَيانِ الحقِّ للناسِ بِدَليلِهِ الذي جاءَ بِهِ الوحيانِ.

فَحَديثُنا عَنِ المُجاهِدينَ وللمُجاهِدينَ حَديثٌ لأمَّةِ المُسلمِين، بل الأمَّةُ المُسْلِمَةُ أمةُ جِهادٍ أو هكذا يَنْبَغِي أن تَكُون، والُمجاهِدُونَ همْ دِرْعُها الحَصينُ وهمْ أبناؤُها ومِنْ رحِمِها الولُودِ خَرَجُو؛ وما يُنْسَبُ إليْهِمْ مِنْ فَضْلٍ فهوَ راجِعٌ إليها أولًا وآخِرا، وكذلكَ ما يَضافُ إلَيْهِمْ مِنْ قُصُورٍ فَإلَيْها وعَلَيْها؛ وذلكَ مِرْآتُها!؛ فَمَنْ نَظَرَ فِي المِرْآةِ فرأى ما لا يَسُرُّهُ فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ!.

وأعُودُ إلى أصْلَ ما عَقَدْنا البابَ لإجْلِهِ فَأُشيرُ أَوّلًا إلى دقيقةٍ مُهمةٍ من الأمر؛ وهي: إن الأخطاءَ في سياسَةِ الناسِ ليستْ من قبيلِ خطأ الواحدِ في عبادتِهِ؛ إذ أثرُ الخطأ هنا قاصرٌ على المُخْطِئِ وحدَه؛ وليس كذلك في سياسةِ الناس والأمم؛ بل الخطأ هنا متعدٍّ إلى المجموعِ؛ يقعُ فيهم أثرُه ولا بدَّ؛ سواءٌ كان المخطئُ حسنَ النيةِ أم لا؛ كانَ قاصدًا إلى الخطأ أم لا؛ كان عالما بترتَُّبِ تلك الآثارِ عليه أم لا!؛ فهو كمن بنى البناءَ على أساسٍ ضعيفٍ أو فاسد؛ فإنه لا يَمْنَعُ سقوطهُ جهلُ القائمِ به ولا سلامَةُ قصْدِهِ!.

وأنبه ثالثا إلى أمْرِ مُهم آمُلُ أن يجدَ أذنا واعية؛ وهوَ أن المرحلةَ التي نمرُّ بِها اليومَ تَخْتَلف عن بقيةِ المراحلِ التي مرتْ بها الأمةُ الإسلاميةُ عمومًا والحركاتُ الإصلاحيةُ خُصُوصًا منْ قبل؛ فإن دائرةَ المعركةِ قد اتسعتْ؛ وأجلبَ العدوُّ بكل ما يملكُ من العقولِ والأفكارِ والوسَائل والرجالِ على اختلافِ نِحَلِهِمْ ومِلَلِهم؛ حتى ليُخيَّلَ للناظرِ أنه لم يَكُنْ بين تلكَ الأممِ خلافٌ في يومٍ من الأيام!؛ مع أن تاريخَهُم وإلى عهدٍ قريب يعجُ بالتنافرِ والقتالِ والحروب!!؛ ويلزمُنا على هذا لزومًا حتميًا لا انفكاكَ عنه أن نُقابلَ سعيَ العدو واجتماعَهُ ورُقِيَّه في التخطيطِ والإعداد والتنفيذِ والاستفادَةِ من نتَائجِ العقولِ وثِمَارِ الأفكارِ والانتفاعِ بِمواضعِ التِقاءِ الجهودِ بمثلِهِ؛ حتى تكونَ أعمالُناَ كالعدَسَةِ اللامة التي تجمعُ الضوءَ فتحرقُ الخرافاتِ والشركَ والأوهام.

وتَفْريعًا على مَضى فإنَّ التصدرَ لقِيادَةِ الأمَّةِ والدعْوَةِ إلى الله في هذه المرحلةِ بِمثلِ الطريقةِ التي قيدتْ بها المرحلةُ السابقةُ وهيَ قيادَةُ الأحزابِ والتنظيمات قصورٌ عظيم؛ ومصادَمَةٌ لسُنَنٍ شرعيةٍ وكونِيةٍ تتخلفُ معها المسيرةُ؛ وتَتَجاوزُها الأمةُ والتاريخ؛ وتكونُ عرضةً لأن يستبدِلهَا الله تعالى بما هو أنفعُ وأبقى ويمكثُ في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت